محمد بن جرير الطبري

288

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

الأرض خليفة يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا ليس منكم . وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها ، وإن كان الله جل ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة يسكنها ، ولكن معناها ما وصفت قبل . فإن قال لنا قائل : فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرا فكان بنو آدم بدلا منه وفيها منه خلفا ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك . فحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : أول من سكن الأرض الجن ، فأفسدوا فيها ، وسفكوا فيها الدماء ، وقتل بعضهم بعضا . قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة ، فقتلهم إبليس ومن معه ، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ثم خلق آدم فأسكنه إياها ، فلذلك قال : إني جاعل في الأرض خليفة . فعلى هذا القول إني جاعل في الأرض خليفة من الجن يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها . وحدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : إني جاعل في الأرض خليفة الآية ، قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء ، وخلق الجن يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ، فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء وكان الفساد في الأرض . وقال آخرون في تأويل قوله : إني جاعل في الأرض خليفة أي خلفا يخلف بعضهم بعضا ، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم ، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله . وهذا قول حكي عن الحسن البصري ، ونظير له ما : حدثني به محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب ، عن ابن سابط في قوله : إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال : يعنون به بني آدم . وحدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا ، وأجعل فيها خليفة ، وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة والأرض ليس فيها خلق .