محمد بن جرير الطبري

226

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته ، وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه ، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه بضعف جنانه ونخب ( 1 ) فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته ، ومشبه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه ، وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمهه . فتأويل الآية إذا إذا كان الامر على ما وصفنا : أو مثل ما استضاء به المنافقون من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الاخر وبمحمد وما جاء به ، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكام المؤمنين ، وهم مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند الله وباليوم الاخر ، مكذبون ، ولخلاف ما يظهرون بالألسن في قلوبهم معتقدون ، على عمى منهم وجهالة بما هم عليه من الضلالة لا يدرون أي الامرين اللذين قد شرعا لهم ( فيه ) ( 2 ) الهداية في الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدا صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم ، أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وجلون ، وهم من وجلهم من ذلك في حقيقته شاكون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا . كمثل غيث سرى ليلا من مزنة ظلماء وليلة مظلمة يحدوها ( 3 ) رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه كثير خطرانه ( 4 ) ، يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ، ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها تارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق . فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الاقرار والتصديق ، والظلمات التي هي فيه لظلمات ما هم مستبطنون ( 5 ) من الشك والتكذيب ومرض القلوب . وأما الرعد والصواعق فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه ، إما في العاجل وإما في الاجل ، أي يحل بهم مع شكهم في ذلك : هل هو كائن ، أم غير كائن ، وهل له حقيقة أم ذلك كذب وباطل ؟ مثل . فهم من وجلهم أن يكون ذلك حقا يتقونه بالاقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم مخافة على أنفسهم من ا لهلاك ونزول النقمات ( 6 ) . وذلك تأويل قوله جل ثناؤه : ( يجعلون أصابعهم

--> ( 1 ) رجل نخب الفؤاد : جبان كأنه منتزع الفؤاد فلا فؤاد له . ( 2 ) الزيادة لاستقامة المعنى . ( 3 ) جعل صوت الرعد حداء للسحاب . من حداء السائق بإبله : وهو غناؤه لها وزجره إياها وهو يسوقها . ( 4 ) الخطران : من قولهم : خطر بسيفه أو سوطه : إذا رفعه مرة ووضعه أخرى . ( 5 ) كانت في الأصل : " مستنبطون " وهو خطأ واضح . ( 6 ) النقمات : العقوبات .