محمد بن جرير الطبري
202
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بالذي هو في منطقهم من الكلام فقال : فما ربحت تجارتهم إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة كما النوم في الليل ، فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك عن أن يقال : فما ربحوا في تجارتهم ، وإن كان ذلك معناه ، كما قال الشاعر : وشر المنايا ميت وسط أهله * كهلك الفتاة أسلم الحي حاضره يعني بذلك : وشر المنايا منية ميت وسط أهله فاكتفى بفهم سامع قيله مراده من ذلك عن إظهار ما ترك إظهاره . وكما قال رؤبة بن العجاج : حارث قد فرجت عني همي * فنام ليلي وتجلى غمي فوصف بالنوم الليل ، ومعناه أنه هو الذي نام . وكما قال جرير بن الخطفي : وأعور من نبهان أما نهاره * فأعمى وأما ليله فبصير فأضاف العمى والابصار إلى الليل والنهار ، ومراده وصف النبهاني بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وما كانوا مهتدين . يعني بقوله جل ثناؤه : وما كانوا مهتدين ما كانوا رشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى ، واستبدالهم الكفر بالايمان ، واشترائهم النفاق بالتصديق والاقرار . ] القول في تأويل قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ( 17 ) ) . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) وقد
--> ( 1 ) هو الحطيئة ، كما في طبقات الشعراء لابن سلام ( ص 49 ) والكتاب لسيبويه ( ج 1 ص 215 ) . ( 2 ) ذكره ابن سلام في الطبقات ( ص 49 ، 50 ) ضمن أبيات ، هي : أبى لك آباء أبى لك مجدهم * سوى المجد فانظر صاغرا من تنافره قبور أصابتها السيوف ثلاثة * نجوم هوت في كل نجم مرائره فقبر بأجبال وقبر بحاجر * وقبر القليب أسعر الحرب ساعره وشر المنايا هالك وسط أهله * كهلك الفتاة أيقظ الحي حاضره ( 3 ) من قصيدة له في ديوانه ( ص 197 ) يهجو بها الأعور النبهاني ، أولها : عفا ذو حمام بعدنا وحفير * وبالسر مبدي منهم وحضور وسيأتي هذا البيت في موضع آخر من هذا الجزء .