محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

اعلموا عباد الله ، رحمكم الله ، أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية ، وبلغت في معرفته الغاية ، ما كان لله في العلم به رضا ، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى ، وأن أجمع ذلك لباغيه ، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . ونحن - في شرح تأويله ، وبيان ما فيه من معانيه - منشؤون - إن شاء الله ذلك - كتابا مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعا ، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافيا ، ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة ، فيما اتفقت عليه الأمة ، واختلافها فيما اختلفت فيه منه ، مبينو ( 1 ) علل كل مذهب من مذاهبهم ، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك ، بأوجز ما أمكن من الايجاز في ذلك ، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه . والله نسأل عونه وتوفيقه ، لما يقرب من محابه ، ويبعد من مساخطه ، وصلى الله على صفوته من خلقه ، وعلى آله ، وسلم تسليما كثيرا . وإن أول ما نبدأ به من القيل في ذلك ، الإبانة عن الأسباب التي البداية بها أولى ، وتقديمها قبل ما عداها أحرى ، وذلك البيان عما في آي القرآن من المعاني ، التي من قبلها يدخل اللبس على من لم يعان رياضة العلوم العربية ، ولم تستحكم معرفته بتصاريف وجوه منطق الألسن السليقية الطبيعية . القول في البيان عن اتفاق معاني آي القرآن ومعاني منطق من نزل بلسانه من وجه البيان . والدلالة على أن ذلك من الله عز وجل وهو الحكمة البالغة ، مع الإبانة عن فضل المعنى الذي به باين القرآن سائر الكلام . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله : إن من عظيم نعم الله عباده ، وجسيم مننه على خلقه ، ما منحهم من فضل البيان ، الذي به عن ضمائر صدروهم يبينون ، وبه على عزائم نفوسهم يدلون ، فذلل ( 2 ) به منهم

--> ( 1 ) في نسخة ومثبتو بدل ومبينو . ( 2 ) ذلل الشئ : لينه وسهله .