محمد بن جرير الطبري

122

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

إنها جحد صحيح ، وأن معنى البيت : سوى في بئر لا تحير عليه خيرا ، ولا يتبين له فيها أثر عمل ، وهو لا يشعر بذلك ولا يدري به . من قولهم : طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا ، أي لم يتبين لها أثر عمل . ويقول في سائر الأبيات الاخر ، أعني مثل بيت أبي النجم : فما ألوم البيض أن لا تسخرا إنما جاز أن تكون " لا " بمعنى الحذف ، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام ، فكان الكلام الاخر مواصلا للأول ، كما قال الشاعر ( 1 ) : ما كان يرضى رسول الله فعلهم * والطيبان أبو بكر ولا عمر ( 2 ) فجاز ذلك ، إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام . قال أبو جعفر : وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأول ، إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه ب‍ " لا " التي معناها الحذف ، ولا جائز العطف بها على " سوى " ، ولا على حرف الاستثناء . وإنما ل‍ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة : أحدها الاستثناء ، والاخر الجحد ، والثالث سوى ، فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الالغاء مبتدأ وفسد أن يكون عطفا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء ، ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى " سوى " ، وكانت " لا " موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها ، صح وثبت أن لا وجه ل‍ " غير " التي مع " المغضوب عليهم " يجوز توجيهها إليه على صحة إلا بمعنى الجحد والنفي ، وأن لا وجه لقوله : " ولا الضالين " ، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم " . فتأويل الكلام إذا إذ كان صحيحا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم ولا الضالين . فإن قال لنا قائل : ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم ، أو نضل ضلالهم ؟ قيل : هم الذين وصفهم الله في تنزيله ، فقال : ( يا أهل الكتاب

--> ( 1 ) هو جرير ، من قصيدة يهجو فيها الأخطل ، أولها : قل للديار سقى أطلالك المطر * قد هجت شوقا ماذا تنفع الذكر ( ديوانه : ص 191 ) . ( 2 ) سيأتي في تفسير الآية 158 من سورة البقرة ص 51 من الجزء الثاني . ورواية الديوان " دينهم " بدل " فعلهم " وقوله هنا " فعلهم " يشير إلى بني تغلب قوم الأخطل .