محمد بن جرير الطبري

115

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى ، فكذلك ذلك في قوله : ( صراط الذين أنعمت عليهم ) . القول في تأويل قوله تعالى : ( غير المغضوب عليهم ) . قال أبو جعفر : والقراء مجمعة على قراءة " غير " بجر الراء منها . والخفض يأتيها بمن وجهين : أحدهما أن يكون غير صفة للذين ونعتا لهم فتخفضها ، إذ كان " الذين " خفضا وهي لهم نعمت وصفة ، وإنما جاز أن يكون " غير " نعتا ل‍ " الذين " ، و " الذين " معرفة وغير نكرة ، لان " الذين " بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء التي هي أمارات بين الناس ، مثل : زيد وعمرو ، وما أشبه ذلك ، وإنما هي كالنكرات المجهولات ، مثل : الرجل والبعير ، وما أشبه ذلك ، فما كان " الذين " في أنه معرفة غير مؤقتة كما " الذين " معرفة غير مؤقتة ، جاز من أجل ذلك أن يكون : ( غير المغضوب عليهم ) نعتا ل‍ ( الذين أنعمت عليهم ) كما يقال : لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل ، يراد : لا أجلس إلا إلى من يعلم ، لا إلى من يجهل . ولو كان ( الذين أنعمت عليهم ) معرفة مؤقتة كان غير جائز أن يكون ( غير المغضوب عليهم ) لها نعتا ، وذلك أنه خطأ في كلام العرب إذا وصفت معرفة مؤقتة بنكرة أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها ، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعت بها . خطأ في كلامهم أن يقال : مررت بعد الله غير العالم ، فتخفض " غير " إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله ، فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مررت بعبد الله ، مررت بغير العالم . فهذا أحد وجهي الخفض في : ( غير المغضوب عليهم ) . والوجه الاخر من وجهي الخفض فيها أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة . وإذا وجه إلى ذلك ، كانت غير مخفوضة بنية تكرير الصراط الذي خفض الذين عليها ، فكأنك قلت : صراط الذين أنعمت عليهم صراط غير المغضوب عليهم . وهذان التأويلان في غير المغضوب عليهم ، وإن اختلفا باختلاف معربيهما ، فإنهما يتقلب معناهما ، من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق فقد سلم من غضب ربه ونجا من الضلال في دينه ، إذ كان سامع قوله : ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) غير جائز أن يرتاب مع سماعه من تاليه في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط ، غير غاضب ربهم عليهم مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم ، ولا أن يكونوا ضلالا وقد هداهم للحق ربهم ، إذ كان مستحيلا في فطرهم