محمد بن جرير الطبري
104
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال أبو جعفر : ومعنى قوله : وإياك نستعين وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها لا أحدا سواك ، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره معبوده الذي يعبده من الأوثان دونك ، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة . كالذي : 145 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثني بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : وإياك نستعين قال : إياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها . فإن قال قائل : وما معنى أمر الله عباده بأن يسألوه المعونة على طاعته ؟ أو جائز وقد أمرهم بطاعته أن لا يعينهم عليها ؟ أم هل يقول قائل لربه : إياك نستعين على طاعتك ، إلا وهو على قوله ذلك معان ، وذلك هو الطاعة ، فما وجه مسألة العبد ربه ما قد أعطاه إياه ؟ قيل : إن تأويل ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه وإنما الداعي ربه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه ، داع أن يعينه فيما بقي من عمره على ما كلفه من طاعته ، دون ما قد تقضى ومضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره . وجازت مسألة العبد ربه ذلك لان إعطاء الله عبده ذلك مع تمكينه جوارحه لأداء ما كلفه من طاعته وافترض عليه من فرائضه ، فضل منه جل ثناؤه تفضل به عليه ، ولطف منه لطف له فيه وليس في تركه التفضل على بعض عبيده بالتوفيق مع اشتغال عبده بمعصيته وانصرافه عن محبته ، ولا في بسطه فضله على بعضهم مع إجهاد العبد نفسه في محبته ومسارعته إلى طاعته ، فساد في تدبير ولا جور في حكم ، فيجوز أن يجهل جاهل موضع حكم الله ، وأمره عبده بمسألته عونه على طاعته . وفي أمر الله جل ثناؤه عباده أن يقولوا : إياك نعبد وإياك نستعين بمعنى مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدر ، الذين أحلوا أن يأمر الله أحدا من عبيده بأمر أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه . ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته ، إذ كان على قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكليف حقا واجبا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه ، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور . ولو كان الامر في ذلك على ما قالوا ، لكن القائل : إياك نعبد وإياك نستعين إنما