ابن تيمية
154
المسائل الماردينية
فيها روايتان ، وكذلك أهل الكلام ، فذكروا للأشعري فيها [ قولين ] ( 1 ) ، وغالب مذاهب الأئمة فيها تفصيل . وحقيقة الأمر في ذلك : أن القول قد يكون كفرًا ، فيطلق القول بتكفير صاحبه ، فيقال : من قال كذا فهو كافر ، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره ، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وهذا كما في نصوص الوعيد ، فإن الله - عز وجل - يقول : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } [ النساء : 10 ] . فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد ، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار ، لجواز أن لا يلحقه الوعيد ، لفوات شرط أو ثبوت مانع ، فقد لا يكون التحريم بَلَغه ، وقد يتوب من فعل المحرم ، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم ، وقد يبتلى بمصائب تكفِّر عنه ، وقد يشفع فيه شفيع مطاع ، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها ، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها ، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ ، فإن الله - عز وجل - يغفر له خطأه كائنًا ما كان ، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية ، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
--> ( 1 ) في ( خ ، د ) : [ قولان ] والصواب : " قولين " - كما في ( ف ) - لأنه مفعول به ، إلا أن يكون التقدير أنه في محل رفع مبتدأ .