عبد الملك الجويني
7
نهاية المطلب في دراية المذهب
يقترن بالتندم ، [ ولا يهنأ ] ( 1 ) صاحبه بلذة في المعصية ، بل يُنَغص عليه كلَّ لذة تنال نفسه في المعصية ، ومن هذا يلتحق الإصرار - على ما يسمى صغائر - بالكبيرة ، ويُخرَّج على ما مهدناه أن الموبقات لا تكون نوادر ؛ فإنه لا يستجزىء عليها إلا جسور ، سبقت طمأنينة نفسه إلى أمثالها ، وإلى المعنى الذي ذكرناه أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قال : " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " ( 2 ) . وقد ذكر بعض الأتقياء في هذا كلاماً واقعاً ، فقال : معصية التقيّ كعثرة الجواد ونبوة الصارم ، فإن دام العِثار ، فعن ظَلْعٍ ( 3 ) وكلال ، وإن دامت النَبوة فعن انفلال . 12122 - ونحن نتمم غرضنا في الشهادة ، فنقول : إن كنا نطلب عدالةً ابتداءً ، وظهر لنا ما يغلب على الظن استهانةً ، فالجَرْحُ ، [ وإن ] ( 4 ) ترددنا فالوقْف ، وإن ظهر لنا تحرج وتعظيم للدين ، فالتّعْديل . وإن تقدمت عدالة ، فظهر نقيضها ، فالجرح ، وإن لم يظهر نقيضها ، وطرأ تردد ، فهذا موضع وقف القضاة ، إذا رابهم أمر فيتحرجون ، فإن لم يستبينوا واضطروا ، قَضَوْا . فإن قيل : هلا توقفوا حتماً ؟ قلنا : لأن العدالة الماضية تنفي استواء الظن ؛ فإنه لا يليق بالعدل الرضا ما نحسبه ، وهذا يرجع إلى أنه إذا قضى ، فهو باقٍ على غلبة الظن في استصحاب العدالة . هذا قولنا في تقريب الضبط فيما يتعلق بالمخالفات . 12123 - فأما المروءة ، فحقها أولاً أن تُفْصَلَ عن مقارفة الذنوب ، وتُحصَرَ فيما لا يَحْرُم في نفسه ، ولو أقدم عليه المقدِم ، لم يأثم ولم يُعصَّ - وإن أطلقنا في بعض الأحوال الكراهية - على ما ستأتي المسائل ، إن شاء الله . فالضابط في هذا الفصل يقرب من الضابط فيما تقدم ، فكل انحلال عن عصام
--> ( 1 ) في الأصل : " ولا ينهى " . ( 2 ) سبق هذا الحديث في الحدود . ( 3 ) ظلْع : ظَلَع يظلَع ظلْعاً : عرج وغمز في مشيه ، ثم صار الظلعْ علماً على الضعف والكلال . يقال : اربَع على ظلعك : أي ارفق بنفسك ، وضعفك ( المعجم ) . ( 4 ) في الأصل : " إن " ( بدون الواو ) .