عبد الملك الجويني
11
نهاية المطلب في دراية المذهب
والآخر - أن الشهادة تقتضي قياماً بتحفُّظٍ عظيمٍ ، واستبدادٍ بالنفس في طلب الاطلاع ، وهذا لا يتأتى من العبد ؛ فإن فرض فارض إذناً من السادة ، فهو بمثابة ما لو فرض مثل ذلك في الولايات . ثم لا اكتفاء بالظاهر ، فلتَثْبت حريةُ الشاهد ببينة أو بتسامع على استفاضة ، أو بانتساب الرجل إلى أحرار فلو أراد القاضي أن يكتفي بالظاهر في ذلك ، كان كما لو اكتفى بظاهر العدالة . فصل قال : " ولا تجوز شهادة جارّ إلى نفسه . . . إلى آخره " ( 1 ) . 12126 - هذا هو القطب الثالث ، وهو . ردّ الشهادة بالتهمة ، ولا يُدْرَكُ مقصدُ الفصل بالهوينا . وقد قال الشافعي في مواضع : " أقبل الشهادة ، ولا أجعل للتهمة موضعاً " . ولا يمكن إنكار رد الشهادة بالتهمة في أصول الشريعة ، فكيف الضبط ، والطرفان منتشران ؟ الوجه أن نذكر ما ذكره الأصحاب نقلاً ، ثم نشمر للبحث . قالوا : لا تقبل شهادة جارٍّ إلى نفسه ولا دافعٍ عنها . ثم صوّروا الجرَّ ، فقالوا : إذا شهد الرجل بأن فلاناً جرح موروثه ، لا تقبل شهادته في حياة المجروح ( 2 ) .
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 256 . ( 2 ) قوله : " لا تقبل شهادته ( أي الوارث ) في حياة المجروح ( أي الموروث ) " قلت : في هذه العبارة إيجاز شديد ، يحتاج إلى تفصيل ؛ وذلك لأن الإمام فصلها في باب الشهادة على الجناية . وتفصيل المسألة أن الجرح إذا اندمل ، فتجوز شهادة الوارث بعد الاندمال - إذا لم يكن بينهما بَعْضية - فإنه ليس جارّاً لنفسه نفعاً ، فإن المورّث يستحق الأرش بنفسه . ولكن إذا لم يندمل الجرح ، فلا تقبل شهادة الوارث ؛ لأن الموروث لو مات من سراية الجرح ، لوجبت الدية للوارث ، فهو إذاً جارّ لنفسه نفعاً . وكذا لو شهد بعد موت المجروح رجل أنه قتل مورّثه ، فلا تقبل شهادته . ( التهذيب =