عبد الملك الجويني

58

نهاية المطلب في دراية المذهب

[ حكم ] ( 1 ) الذمة عندنا سنة أو أكثر ، فالكلام على ما ذكرناه من مقابلة كل سنة بدينار في حق كل رجل ، فقد قدمنا أن عقد الذمة إلى صاحب الأمر ، ولو تولاّه آحاد المسلمين ، لم يلزم ، ولم يثبت ولكن سبيله كسبيل الأمان ، فلا اعتبار ، ويُبلغ المؤمن المأمن ، كما نفعله في الأمان . 11483 - ولو بقي الكافر سنة على حكم أمان الواحد من المسلمين ، ففي وجوب الجزية عليه وجهان ، ثم إن أوجبناها ، فهي دينار في السنة . ولو اندس واحد من الكفار فيما بيننا وبقي سنة أو سنتين ، ثم شعرنا به وعثرنا عليه ، فالذي رأيته للأصحاب أنا لا نأخذ منه شيئاً لما مضى ، ولا نجعله بمثابة من سكن داراً سنة مغتصباً ؛ فإن عماد ثبوت الجزية القبول ، وهذا الداخل المتولّج فينا حَربي ، لا أمان له ، فلا يتحقق إلزامه من غير التزام ، فإذا عثرنا [ عليه ] ( 2 ) فإن لم يبذل الجزية ولم نبذل الذمة ، قتلناه على مكانه ، وغنمنا ما معه ؛ فإنه حربي لا أمان له ، ولو بذل الجزية ، يعني التزمها ، وطلبَ الذمةَ ، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنا نبذلها له ، وذكر شيخي وغيره في مثل هذا المقام وجهاً أن الجزية لا تؤخذ ؛ فإنه مأسور مقدور عليه واقع في القبضة محفوف بنجدة الإسلام ، فكان بذل الذمة كبذل الأسير ، وقد ذكرنا هذا في حكم الأسرى ، وهذا وجهٌ حسن ، لا ينبغي أن يغفل الفقيه عنه فيما يجريه من التفاصيل . 11484 - ولو دخل الحربي دارنا ، وزعم أنه رسول ، لم نكلفه إثبات الرسالة بحجة ، ولا حجة ( 3 ) إلا تصديقُه فيها ، وليت شعري ما أقول ولا كتاب معه ، وقد غلب على الظن كذبه ؛ فإن مخايل الرسل لا تخفى ، هذا فيه احتمال ، والعلم عند الله تعالى . ولو ذكر الكافر أنه دخل مستجيراً ليسمع الذكر ، فهو مصدّق ، ولا تعرض

--> ( 1 ) في الأصل : " عقد " . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) ه‍ 4 : " وجه " .