عبد الملك الجويني
53
نهاية المطلب في دراية المذهب
الدور من جوانبها ، وكانت لمسلم ، فالذي رأيته متفقاً عليه للأصحاب أنه لا يمنع من سكون الدار التي اشتراها ، ولا يكلف أن يحط من سمت أبنيتها ، بل يتركها كما اشتراها ، ويسكنها ، والذي ذكرناه فيه إذا كانت دار الكافر بقرب دار أو دورٍ للمسلمين . فأما إذا كان للذمي دار في طرف البلد لا تجاور أبنية المسلمين ، فالذي قطع به الصيدلاني أنه لا يمنع الكافر من إطالة سَمْك ( 1 ) هذه الدار " فإن المطاولة هي المحرمة ، وهذا المعنى إنما يتحقق في الدور المجاورة . وقال أيضاً : لو كان للكفار حارة مخصوصة بهم لا يخالطهم فيها مسلم ، فإذا أراد الكفار إطالة أبنيتهم في حارتهم ، فلا يمنعون ، وما ذكروه فيه إذا لم تكن ( 2 ) الحارة مجاورة للحارات ، بل منفردة لا تجاور سائر المحال . وحاصل ما ذكره أن الممنوع معنى المطاولة ، وهو من قولهم : طاولته ، فطلته ، وإنما يتحقق ذلك عند فرض تناسب ، ومن ضرورته أن يكون بين بنائه وبناء المسلم تقارب ، وأطلق بعض الأصحاب المنعَ عن تطويل البناء ، وليس له وجه يرتضى ، فلا يحمل إطلاق من أطلق إلا على الغفلة عن التفصيل الذي ذكره الصيدلاني . فإن اعتقد معتقِد تعميمَ المنع ، فالممكن في تقريبه وتوجيهه أن الكافر إذا أظهر في تطويله البناء ما يبين منه التميّزُ بالخيلاء والسرف في الزينة والمسكن ، فيمنع كما يمنع من مساواة المسلمين في ركوب الخيل واتخاذ السُّرُج والمراكب النفيسة ، وهذا أصلٌ لا بأس به ، ولكن لا ينبغي أن يلتزم صاحبه تقصير شأنه عن أقصر بنيان في البلدة ، ولكن الممكن فيه أن يُمنع من إظهار الزينة بالإطالة ، ولا يخفى درك ذلك . ويبقى مع هذا الفرق بين المجاورة والانفراد ، فإذا جاور دار مسلم أُمر برعاية مناسبة تلك الدار والانحطاط عنها ، والاكتفاءِ بمساواتها ، لظهور المطاولة ، عند المجاورة ، وهذا لا يراعى مع الانفراد .
--> ( 1 ) السَّمك بفتح السين : البعد الثالث بعد الطول والعرض ، وُيعنى به الارتفاع . ( معجم ) . ( 2 ) ه 4 : " إذا كانت " .