عبد الملك الجويني
36
نهاية المطلب في دراية المذهب
11461 - ومما نذكره قبل الخوض ، في نواقض العهود ، أنا إذا عقدنا الذمة ، التزمنا لهم كفَّ الأذى عنهم ، وعدَم التعرض لهم فيما يرونه بين أظهرهم - ما أخفَوْها ( 1 ) - فلا نريق خمورهم ولا نقتل خنازيرهم ، ولا نتعرض لبياعاتهم ومناكحاتهم فيما بين أظهرهم . وهل يجب علينا أن نذب الكفار عنهم ؟ يعني أهل الحرب ؟ فإن كانوا في بلاد الإسلام ؛ فإنا نضطر إلى الذب من غير قصدٍ ينصرف إليهم ؛ فإنه يتعين علينا حمايةَ بلاد الإسلام عن طروق الكفار ، وإذا نحن فعلنا هذا ، فيحصل به الذب عنهم لا محالة . ولو كان الذمي في دار الحرب لكنه التزم الجزية ، وعقدنا له الذمة ، فيستحيل أن نلتزم ذب الكفار عنهم ؛ فإن هذا مما لا يحيط به الاستطاعة ، والإطاقة . ولو كان أهل الذمة في بلدةٍ متاخمة لبلاد الإسلام من جهةٍ ، ولبلاد الكفار من جهة ، وكان ذب الكفار عنهم ممكناً ، فهل نلتزم ذلك لهم بمطلق الذمة ؟ فعلى وجهين : أحدهما - لا نلتزم ذلك ؛ فإن الغرض بعقد الذمة أن يأمنونا ويؤمِّنونا ، فإذا كفيناهم بوادر أجنادنا ، وكففنا الأيدي عنهم ، كفاهم ذلك ، والدليل عليه أنهم لا يلتزمون ، الذبَّ عنا إذا تغشانا جمعٌ من الكفار ، ونحن لا نلتزم لهم ما لا يلتزمونه لنا . والوجه الثاني - أنه يجب علينا الذب عنهم إذا تمكنا منهم ؛ فإنا بالذمة التزمنا أن نُلحقهم في العصمة والصون بأهل الإسلام ، فيجب علينا أن نذب عنهم كما نذب عن أهل الإسلام ، وهذا مشهور في الحكاية ، والأقيس الوجه الأول . وما ذكرناه فيه إذا أطلقنا الذمة ، ولم نتعرّض لالتزام الذب عنهم ، فإن قلنا : لا يلزمنا الذب بحكم الذمة ، فلو اشترطنا ذلك ، والتزمناه ، فالرأي أنه لا يلزمنا الوفاء ؛ فإن ما لا يلزم بقضية الذمة ، لا يلزم بالاشتراط ؛ وفي كلام الأصحاب ما يشير إلى أن الذب يلزم بالالتزام .
--> ( 1 ) كذا في النسختين بضمير المؤنث . والتأويل قريب .