عبد الملك الجويني
29
نهاية المطلب في دراية المذهب
يوماً ، فالجنون ، والإفاقة متعاقبان ] ( 1 ) ، ثم لا نظر إلى زيادة زمان الإفاقة ، فلو كان يُفيق يومين أو ثلاثة ويجن يوماً ، فلا حكم [ للإفاقة ] ( 2 ) . فأما إذا كان يجن في الشهر يوماً واحداً ، فلا يقال : الجنون والإفاقة متعاقبان ( 3 ) ، ولكن الجنون في حكم العارض يعرض ، والحكم للإفاقة . وهذا الذي ذكره من التفصيل لا بد منه ، ولكنه كلامٌ غير منضبط ، واضطرابه يدلّ على فساد أصله . ثم الممكن في التقريب أن يقال : إذا كان يجن يوماً ويُفيق يومين ، فالإفاقة في اليومين غير موثوقٍ بها ، وهو فيها بمثابة مجنون يغتلم ( 4 ) يوماً ويهيج ، ويسكن ما به يوماً أو يومين ، وللمجنون تارات قد يهداً ويسكن ، وقد يغتلم ويتعدّى حدّ الاعتدال ، فالوجه أن نقول : إذا كان زمان الإفاقة بحيث [ يقع ] ( 5 ) فيها آثار الجنون ، فهو ملحق بالجنون ، وإن طال بحيث لا يتوقع فيه آثار الجنون ، فيجوز أن يقال : الحكم للإفاقة . وهذا في التحقيق تمسك بالغلبة ، وقد ذكرنا عن بعض الأصحاب وجهاً : أنا ننظر إلى أغلب الزمانين ، ولكن بين الوجهين فرق ؛ فإن ما حكيناه في أثناء الأوجه المرادُ به أن يكون أحد الزمانين أكثر ولو بلحظة . وما ذكرنا آخراً ، فالمراد به ما بيناه . والفرق بين الوجهين ظاهر لمن تأملهما . وقد ذكرنا فيما ذكرنا وجهين متضادين : أحدهما - أن الجنون بين الإفاقتين كالغشية ، والآخر أن الإفاقة بين جنونين كهدوء مجنون على اغتلامه . ولا بد من
--> ( 1 ) ما بين المعقفين زيادة من ( ه 4 ) . ( 2 ) في النسختين : الجنون ، والمثبت من المحقق رعاية للسياق ، فالمعنى أن التعاقب بين الجنون والإفاقة يغلب حكم الجنون أياً كانت أيام الإفاقة ونسبتها . ( 3 ) لمزيد من الإيضاح ننقل هنا كلام الإمام الغزالي ، الذي عبر به حاكياً كلام الشيخ أبي علي هذا ، فقد قال : " قال الشيخ أبو علي : لا جزية عليه أصلاً ، كمن نصفه حر ، ونصفه رقيق ، لأن الجنون يمنع الجزية كالرق ، وقال : هذا فيه إذا كان الجنون والإفاقة يتعاقبان ، فأما إذا كان يجن يوماً ، ويفيق تسعة وعشرين يوماً ، فلا تعاقب ، والحكمُ للعقل ، والجنون عارض " ( ر . البسيط : 5 / ورقة : 175 شمال ) . ( 4 ) يغتلم : أي يهيج ويشتد ، والاغتلام أكثر ما يستعمل في شدة الشهوة للجماع ، ويستعمل في الهيجان والثورة عامة ، ومنه اغتلم البحر ، إذا ثارت أمواجه وهاجت مياهه ( المعجم ) . ( 5 ) في ( ه 4 ) : " يتوقع " .