عبد الملك الجويني
25
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهو أصل ؛ فإنا إذا رأينا صونهن عن الرق في الصورة التي ذكرناها ، فيلزم لا محالة أن نقول : كل حربية بذلت الجزية ، لزم عصمتها عن الرق ، وعلى هذا الوجه يرجع نفي الجزية من النسوان إلى الصور التي نُتْبعهن فيها الرجلَ الذمي ؛ فإن الرجل يُعصَم بالجزية ، فيشمل الأمانُ أهلَه ومن يتصل به ، وهذا على نهاية الضعف ، وهو يخرم قاعدةً ممهدة لا سبيل إلى خرقها ؛ فإن المرأة لو كانت من أهل الجزية بنفسها ، لما تبعت ، ولو كانت الجزية في حقها تصونها من الرق ، كالجزية في حق الرجل تصونه من القتل ، فلا وجه لقول من يقول : تقبل الجزية من النسوان إذا لم يكنْ في القلعة غيرهن . وقد ذكر القاضي هذا الخلاف ، ونقل عنه من يوثق به أنهن يبذلن على أحد الوجهين ما يبذلن ، ثم لا يتكرر عليهن ؛ فإنه لو تكرر ، لكان جزية محققة . وهذا الكلام ، وإن كان صَدَرُه عن محاذرة إلحاق النساء بالرجال ، فهو كلام مضطرب ؛ فإن ما ذكره لا يكون جزية إذاً . وإنما يكون سبيله سبيل المفاداة ، ثم يلزم منه ألا يستفدن بما يبذلن إلا الإعراض عنهن في هذه الكرّة ؛ إذ من المحال ألا يتكرر عليهن البذل [ ويتأبد ] ( 1 ) لهن الأمان . ثم الرجال لو بذلوا مالاً من جهة المفاداة ، لم يُعصموا ، فإن كان الأمر في هذا إلى رأي الإمام ، فلا معنى إذاً لقول القائل : هل يجب علينا قبول المال منهن ، بل يجب أن يقال : الأمر إلى الإمام . وسنذكر ، إن شاء الله تعالى ما يبذله أهلُ المهادنة من الأموال لا على سبيل الجزية . ومما ذكره الأصحاب في هذه المسألة ، وهو كلام مختلط أيضاً أنهم قالوا : لو كان في القلعة رجل واحد ، فبذل الجزية ، كان ذلك عصمة لكل من في القلعة من النسوان ، ولست أدري كيف يجري بمثل هذا لسانٌ أَنِس بالفقه ؛ والرجل الواحد لا يستتبع إلا من يتصل به ، كما ذكرناه في صدر الفصل . وبالجملة إن كان المال من فن المفاداة قبل الظفر ، فلا يختص به الرجال عن
--> ( 1 ) في الأصل : " أو يتأبد " والمثبت من ( ه 4 ) .