عبد الملك الجويني

21

نهاية المطلب في دراية المذهب

فيوظف على الغني عشرة مثلاً ، وعلى المتوسط خمسة ، وعلى الفقير ثلاثة ، أو على وجه آخر يؤدي إليه اجتهاده . ولا ينبغي أن يكون التفاوت في صفات الطعام والإدام ، ولو فعل ذلك ، لمال الضيفان إلى أطايب الأطعمة ، والمنازل الطيبة . وُيبيِّن أن الضيفان يقيمون ليلة ، أو يوماً وليلة ، أو أكثر على ما يقع التوافق عليه . ولعل الأشبه ألاّ تزيد المدة على الثلاث تأسياً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الضيافة ثلاثة أيام ، وما زاد صدقة " ( 1 ) وقال صلى الله عليه وسلم : " الضيافة ثلاثة أيام ، والإجازة يوم وليلة " ( 2 ) [ والإجازة ] ( 3 ) إعطاء الجائزة ، من قولهم : أجازه يجيزه ، ومعناه أن يزوّد الضيف ليومٍ وليلة إذا رحل ، ويضيفه في الإقامة ثلاثَ ليالٍ . ولو حصل التوافق على مزيدٍ في الليالي ، فلا معترض . ثم الضيافة التي ضربها عمرُ كانت للطارقين من غير اختصاصٍ بأهل الفيء ، فإن هذا لو كان على الاختصاص ، لأفضى إلى نزاع ، فكان الأليق بالمصلحة المطلوبة تعميم الضيافة ، وفي طروق أهل الذمة على المضيفين تردّد إن كان ضربُ الضيافة مطلقاً . هذه صفة الضيافة . 11447 - ثم يتصل بمنتهاها تردّدات للأصحاب في فقه الفصل : فمما اختلف الأصحاب فيه أن الضيافة هل يجوز احتسابها من الجزية ، أم حقها أن تكون زائدة على الدينار المأخوذ من كل رأس ؟ فمن أصحابنا من قال : يجوز احتسابها من الجزية حتى لا يوظف غيرها ؛ فإن المقتدَى في هذا رأي عمر ، والذي صح منه أنه لم يطالبهم بالجزية ، فهو أحق متبوع ؛ سيما فيما يتعلق بالإيالات ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز احتساب الضيافة من أصل الجزية ؛ لأن التمليك لا بدّ منه في الجزية ، وسبيل

--> ( 1 ) حديث " الضيافة ثلاثة أيام ، وما زاد صدقة " متفق عليه من حديث أبي شريح العدوي ( خويلد بن عمرو ) رضي الله عنه ( البخاري : الأدب ، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ، ح 6019 . مسلم : اللقطة ، باب الضيافة ونحوها ، ح 1726 ) . ( 2 ) قوله صلى الله عليه وسلم : " الضيافة ثلاثة والإجازة يوم وليلة " من ألفاظ الحديث السابق . ( 3 ) في الأصل : " والإعطاء " .