عبد الملك الجويني

19

نهاية المطلب في دراية المذهب

المسلم بأكثرَ مما يُستحق عليه في الزكاة ، فحق على القابض منه أن يُعلمه أن الذي أتى به أكثرُ مما عليه ، وإذا التزم أكثرَ من الدينار في السنة ، وقضينا بأن الوفاء بالملتزَم واجب ، فلو نقض العهد ، فقد ذكرنا أنّا لا نغتاله ، فلو أنه بعد نبذ العهد طلب منا تجديد العقد بدينارٍ ، لزم إسعافه ، فعلى هذا يَضْعُفُ أثر الالتزام أيضاً ، ولكن إن لم يكن الكافر عالماً بما ذكرناه حتى تمر السنة ، فلو نبذ العهد ، طالبناه بالخروج عما التزمه في السنة الماضية ، وإن مضى بعض السنة ، فهذا يخرج على موته في أثناء السنة . فإن قلنا : إذا مات الذمي في أثناء السنة يجب قسط من الجزية ، على ما سيأتي مشروحاً ، إن شاء الله تعالى . فإذا التزم أكثرَ من الدينار ، ومضت أيام ، ثم نقض وعاد ، فيلزمه لما مضى قسط من الجزية التامة التي التزمها . وأوجب أبو حنيفة ( 1 ) على الفقير المعتمل ديناراً ، وعلى الغني أربعة دنانير ، وعلى المتوسط دينارين . 11445 - فإن قيل : إذا كنتم لا تفرقون بين الغني والفقير والمتوسط فيما يقع الاكتفاء به من الجزية ، فما قولكم في الكافر الفقير إذا كان لا يستمكن من أداء دينار ؟ قلنا : الفقير الكسوب المعتمل القادر على أداء دينار ، يُقرّ ويطالب بالدينار في السنة . فأما إذا كان لا يستمكن من تحصيل الدينار ، فقد نقل الأصحاب قولين في أنه هل يخرج من دار الإسلام ؟ أحدهما - أنه يخرج ، فإنه لا سبيل إلى شغل عرصات دار الإسلام بالكفار من غير جزية يبذلونها . والقول الثاني - أنه يقر . ثم على هذين القولين قولان : أحدهما - أنه يترك في الدار من غير جزية ، حتى لو انقضت سنون ، وهو لم يملك فيها ما يؤديه ، ثم ملك ، فالمؤاخذة تقع من وقت الملك ، ولا مطالبة عليه في مقابلة ما مضى . والقول الثاني - أنه يقرّ في دار الإسلام بجزية يلتزمها ، وتستقر في ذمته ، فإذا ملك يوماً طولب بما استقر في ذمته من السنين

--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 294 ، المبسوط : 10 / 78 ، فتح القدير : 6 / 45 ، حاشية ابن عابدين : 4 / 196 .