عبد الملك الجويني
15
نهاية المطلب في دراية المذهب
11441 - ومما نلحقه بالكتاب الكلام في أولاد المرتدّين . فإن حكمنا لهم بالردّة ، فلا تقبل الجزيةُ منهم ، وإن حكمنا لهم بالإسلام ، طالبناهم به ؛ فإن أبَوْا ، فهم مرتدون . وإن حكمنا بأنهم كفار أصليون ، وآباؤهم المرتدّون متهوّدون ومتنصّرون ، فالمذهب أنا لا نأخذ الجزية منهم ؛ فإنه لم يثبت لهم جَدٌّ دان بالدين قبل المبعث ، ومن أصحابنا من قال : إذا أثبتنا لهم حكم الكفر الأصلي ، فنأخذ الجزية منهم ، ونجعلهم كالمنتمين إلى جدٍّ دان بدين اليهود قبل المبعث . وهذا لا أصل له ، فإن لم نأخذ الجزية منهم ، فلا كلام ، وإن أخذناها ، ففي استحلال المناكحة ، وحِل الذبيحة ترددٌ ، والوجه القطع بالتحريم ، وأفتى بعضُ الأصحاب بإحلال وطء سبايا [ غَوْر ] ( 1 ) [ تهامة ] ( 2 ) ، وقد ثبت منهم ( 3 ) أنهم ارتدّوا بعد قبول الإسلام ، وهذا قولٌ صدر عن عَماية ، وقلة دراية ، وفيه خرم أصلٍ عظيمٍ اتفق الأصحاب عليه وهو أن الذين تهودوا بعد المبعث لا يُناكَحُ أولادهم . وأولاد المرتدّين شرٌّ منهم ، ولم نذكر هذا لتخيل التحاقه بالمذهب ، وإنما ذكرته للتنبيه على الغلط فيه ، وظهور مناقضة الأصل المتفق عليه ، فيجب القطع بالتحريم ، بل يجب القطع بأن الجزية لا تؤخذ منهم ؛ إذ ليس لهم جدٌّ قد دان بالدين قبل المبعث . ولو كان لهم جدٌّ دان بالدين قبل المبعث ، ثم أسلموا وارتدّوا من بعد وحدث لهم أولاد ، فالإسلام قطع الاعتصام بالجد العالي . وإنما يؤثر ذلك الجد ، لو تواصل التهود ، فإذا بطل أخذ الجزية من أولاد المرتدّين قطعاً ، فما الظن بالمناكحة والذبيحة ؟ ويبقى التردد في أن أولاد المرتدّين هل يسترقون ؟ وهذا يجوز خروجه على أنهم كفار أصليون ؛ فإن عبدة الأوثان لا يمتنع إرقاقهم على ظاهر المذهب . ومن أصحابنا من منع إرقاق عبدة الأوثان ؛ فإن هذا يتضمن أماناً مؤبداً على التوثن .
--> ( 1 ) في الأصل : " يا غور " ، والمثبت من البسيط والشرح الكبير ، والغاية في اختصار النهاية للعز بن عبد السلام ، وفي الشرح الكبير زيادة فائدة أنها ( غور تهامة ) . ( 2 ) مزيدة من الشرح الكبير والغاية . ( 3 ) منهم : من هنا مرادفة ل ( عن ) ، ومثله قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ } [ الزمر : 22 ] .