عبد الملك الجويني

34

نهاية المطلب في دراية المذهب

المستشرقان الكبيران ( بيفان ) و ( كرنكو ) ، فهل يجرؤ أحد على وصف عمل المستشرقين بأنه آلي ميكانيكي ؟ ثم أفضى هذا العبث كلُّه ، إلى أمر أشدَّ نُكراً ، وهو : " أن التحقيق لا يكوِّن شخصية علمية " . هكذا يقولونه بدون تقييد ، أو وصف ، أو استثناء ، ومعنى هذا بوضوح أن دارساً مسكيناً توفَّر على موضوع مستهلك ، فأكثر فيه الثرثرة ، وقَمَشَ له عِلماً من هنا ، وسلخ له علماً من هناك ، ثم انتهى به إلى نتائج هزيلة شائهة ، يَفْضُل رجلاً مثل عبد السلام هارون ، الذي قضى من عمره خمسين عاماً أخرج فيها كنوزاً ، وأضاء صفحاتٍ مشرقةً من تراثنا العظيم ! اللهم إنا نستدفع بك البلايا ، ونسألك أن تهوّن علينا المصائب والنوائب " ( 1 ) انتهى بنصه . وهذا كلامٌ واضح مبين يدرك من لديه أدنى درجة من تذوق الأسلوب والبلاغة أيَّ مرارة يعانيها الطناحي ، وأيَّ ألمٍ يمزقه ، وأي غضب يفور بداخله على هؤلاء الذين ينكرون قيمة الفهارس ، ويجهلون قيمة التحقيق ، وكان قد قال قبلاً : " إن التحقيق عمل من الأعمال العلمية ، جيده جيد ، ورديئه رديء " . علماء أعلام صناعتهم الفهارس : لو كانت صناعة الفهارس عملاً ميكانيكاً آلياً - كما يقول ذلك الذين لا يعرفون - لما شغل بها علماء أعلام أنفسهم ، ولتركوها لأتباعهم ، ولما نسبوها إلى أنفسهم ، ولما تمدّحوا بها . فمن هؤلاء الأعلام الذين ارتادوا هذا الطريق ، ووطؤوه العلامة أحمد زكي باشا ، شيخ العروبة ( 1284 - 1353 ه‍ - 1867 - 1934 م ) وهو أول من عُني بهذا الفن حين حقق ( كتاب الأصنام ) لابن الكلبي ، نشرته دار الكتب المصرية 1924 م ، وهو كتاب لم

--> ( 1 ) ر . مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي 281 ، 282 .