عبد الملك الجويني

32

نهاية المطلب في دراية المذهب

" ومن ذاق عرف " فلو كانت هناك فهارس لمجموع النووي ، والروضة ، والشرح الكبير للرافعي ، لو كان هناك فهارس لهذه الكتب - التي كانت مراجع أصيلة لتحقيق هذا الكتاب - لخففت كثيراً من العناء الذي لقيناه أثناء البحث فيها عن النقول عن إمام الحرمين ، وتدقيق الأعلام ، وأسماء الكتب ، بل وضبط المسائل . ولقد خففت شيئاً من هذه المعاناة حين قمتُ بما يشبه الفهرس ، إذ تتبعت الأعلام الواردة في هذه الكتب وميزتُها وأظهرت مكانها بلونٍ فاقع من ذلك ( الماركر ) الفسفوري وكذلك ميزت كل موضع ذكر فيه إمام الحرمين بلونٍ آخر ، مما خفف بعض المعاناة ، وساعد نوعاً ما في الوصول إلى المراد . وانظر إلى ما كان من العلامة الطناحي حين كان يحقق ( الغريبين ) للهروي ، واحتاج إلى مراجعة ( غريب الحديث ) لأبي عبيد ، فما تيسّر له ذلك إلا بعد أن تجشم صنع ( فهرسٍ للألفاظ والمواد اللغوية ) لهذا الكتاب ( 1 ) . صناعة الفهارس في ميزان العمل العلمي : يظن بعض من لم يتمرس بالبحث ، ويتدرب على استخدام وسائله وأدواته ، ومنها الفهارس العلمية - أن صناعة الفهارس هي مجرد جمع وترتيب ، ولا تتصل بالعمل العلمي ، ولا تمت إليه بسبب ، ولكن من له أدنى تأمل يدرك أن هذا عمل علمي جاد ، فصناعة الفهارس في حقيقة أمرها تحليلٌ للنص المفهرس ، ولا يكون هذا التحليل إلا بعد فهمٍ عميق للنص - أي الكتاب - المراد فهرسته ، فهمٍ يدرك مراميه ، ويحيط بمغزاه ، ويتذوّق لغته ، ويفقه منهجه . . . عندها يستطيع أن يصنع فهارسه . ْ ويدلك على هذا ما يكون من التفنن في الفهارس وابتكار أنواعها ، مما يشهد بفقه مضمون الكتاب المفهرس ، وإحاطة المحقق به . ويتحدث شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عن صناعة الفهارس ، وأنها ضرب من التأليف ، فيقول : " هذا العمل فيه بَذْلُ جهد كبير ، وتحمل مشقاتٍ كثيرة ؛ فقد صار نوعاً من أنواع التأليف ، والإتقان فيه صعبٌ وعَسِر ، ويحتاج إلى حَبْس النفس عليه

--> ( 1 ) من معنى كلامه في المقال الذي أشرنا إليه في التعليق السابق .