عبد الملك الجويني
20
نهاية المطلب في دراية المذهب
الحاجة ، فالحاجة أم الاختراع ، كما يقولون ! ، وأنت ترى أن مفردات اللغة ، وأسماء المواضع والبلدان ، وكذلك أسماء الأعلام والرجال ليست مما يُحفظ - عادة - وتنشط الذاكرة إلى احتوائه ، والاستمتاعِ بحفظه ، ولذلك كانت الحاجة ماسة لتدوينه وترتيبه ، لتيسيره وتقريبه . أما متن الحديث ، فإنه وإن كان من أعز وأحب ما يُحفظ وتنشط له الذاكرة ، إلا أنه منذ نهاية القرن الأول ، ومطلع القرن الثاني ، اتسعت الرواية ، وكثر الرواة ، فاحتيج إلى تدوين الحديث وفهرسته لتيسير مراجعته ، وتحرير الفرق بين رواية ورواية ، فظاهروا الحفظ بالكتابة والفهرسة ، بعد أن ظلوا يَنْهون عنها طول القرن الأول . أما العلوم والفنون الأخرى ، فلم ينشطوا لفهرستها اكتفاءً بالحفظ واحتواء الذاكرة عليها ، فقد كانت صدورهم بحق أوعيةَ العلم ، وكانت أخبارهم في ذلك عجباً من العجب . ولولا أننا أدركنا من مشايخنا من يملك مثل هذه الحافظة اللاقطة ، لقلنا : إن أخبارهم هذه - في الحفظ - مبالغات مدعاة لا يقبلها عقل . لكنا أدركنا بعضاً من مشايخنا يملك مثل هذه الذاكرة الحافظة اللاقطة ، منهم شيخنا الجليل ، ( الشيخ محمد أبو زهرة ) فقد رأيناه يجلس لمناقشة الأطروحات الجامعية ، وليس بيده ورقة ، وليس أمامه نسخة من الأطروحة ، ويأخذ في المناقشة فيحدد - من ذاكرته - للطالب الصفحة والسطر ، والعبارة موضع المناقشة والمراجعة . وأحياناً لا يهتدي الطالب - لارتباكه - إلى الموضع الذي أشار إليه الشيخ ، فيرفع رأسه ناظراً للشيخ بما معناه أن الشيخ قد يكون وهم في تحديد الموضع ، فيأتيه صوت الشيخ متصنعاً الحدة : يا بني دقق النظر وأعد القراءة ، العبارة أمام عينيك في السطر رقم كذا ! ! ويعاود الطالب النظر ، فيكون الأمر كما قال الشيخ ! ! ! لولا هذه النماذج التي أدركناها ورأيناها بأعيننا ، لَرَدَدْنا أخبار أئمتنا الماضين ، وقلنا : إن هذا من المستحيل عقلاً ! ! فكيف يستطيع إنسان أن يحيط بعشرات المجلدات ، ويحفظها في ذاكرته ؟ ويستعيدها ، وكأنها بمرأى منه أمام عينيه . نعود فنقول : من أجل هذا لم يحتاجوا إلى فهرسة فنٍّ غير الفنون التي أشرنا إليها .