عبد الملك الجويني
537
نهاية المطلب في دراية المذهب
موجود في كتاب الرهون ، على أن رهن السواد مفسوخ . أراد بالمفسوخ الفاسد ، ولو كانت رقاب الأراضي مبيعة ، لجاز بيعها ، ولو جاز بيعها ، لجاز رهنها . ثم ما ذكره غير صحيح ، وذلك أن الأجرة إذا كانت تتجدد بانقضاء السنين ، فهذا محمول على مقابلة كل سنة بأجرتها ، والمنافع متجددة ، ومثل هذا لا يتصوّر في البيع ، فإن الموظف على أهل العراق لو كان ثمناً ، فالثمن لسنا نرى له ضبطاً ، ولا غاية ، ولا مقابلة بما يتجدّد حالاً على حال . وقال أبو حنيفة ( 1 ) : السواد فتح صلحاً ، وردّها عمر عليهم بخراجٍ يؤدونه كلَّ سنة ، وزعم أن الخراج لا يسقط بإسلامهم . وهذا مطرد على مذهبه ؛ فإنه يقول : إذا ضرب الإمام الخراج على أراضي الكفار ، وكان يأخذه منهم جزيةً ، فإذا أسلموا على أراضيهم ، لم يسقط عنهم الخراج الموظف ، وعندنا أن الخراج المضروب على الكفار سبيله سبيل الجزية ، فإذا أسلموا على أراضيهم ، سقط الخراج عنهم كما تسقط الجزى عن رؤوسهم . ومما يتصل بهذا الباب أنه لو وقع مثل هذه الواقعة ، وعلم الإمام أنه لو ترك الأراضي في أيدي الغانمين ، لتعطل الجهاد ، ثم زاد ( 2 ) أصحابُ الأراضي بسطتَهم ، فأَبَوْا ، وعلم أنه لا خلاص إلا باقتهارهم ، وأَخْذِ الأراضي منهم قسراً ، فليس للإمام أن يفعل هذا ، بل يقتهرهم على الخروج إلى الجهاد على حسب دعاء الحاجة إليهم . وقد نقل المعتمدون : أن أمير المؤمنين استطاب قلوب المسلمين ، وطلب المسلمون مرضاتَه ، لما عرفوا نظره للدين وأهلِه ، وروي : " أن بلالاً أبى عليه ، فراجعه ، فأغلظ بلال القولَ على عمر ، فاحتمل عمر ، ثم قال : اللهم خلصني من بلال وذويه ، فما مرت سنة حتى لم يبق من آل بلال نافخ ضَرْمة ( 3 ) " ( 4 ) . . . .
--> ( 1 ) ر . مختصر اختلاف العلماء : 3 / 494 ، 495 مسألة : 1644 ، 1645 . ( 2 ) في الأصل : " ثم زادوا " على لغة : أكلوني البراغيث . ( 3 ) ضرمة : أي جمرة وهي النار . ( المعجم ) . ( 4 ) أثر عمر " اللهم خلصني من بلال . . . " رواه البيهقي عن جرير بن حازم عن نافع مولى ابن عمر : 9 / 138 ، وقال : والحديث مرسل . ورواه أيضاً في معرفة السنن : 7 / 91 .