عبد الملك الجويني
489
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولا فرق في المغارم والعقوبات وقواعد التكليف بين الباب والباب ، وكيف يستحسن الإنسانُ المصير إلى أن الصائرين إلى دار الحرب من دار الإسلام تنحلّ عنهم عُرى أحكام الإسلام ، ولا يلتزمون منها ما يُلزِمُه أهلَ الحرب . واختلف نص الشافعي في أن الإمام هل يقيم الحد على من استوجبه من المسلمين في دار الحرب ، فاضطرب أئمتنا ، فقال قائلون : في كراهة ذلك قولان ، ولا أحد يصير إلى التحريم . وقال قائلون : النصان منزلان على حالين ، فإن كان لا يخاف افتناناً ، أقام الحد ، وإن خاف فتنة ، فلا نؤثر إقامةَ الحد ، وذلك بأن يتداخل المحدود مغيظةٌ ، وقد تكون سبب انقلابه ، وقد يكون شريفاً في قومه ، فيحملهم ما يجرى على سيدهم على الانفلال ( 1 ) ، فالنهي عن الإقامة محمول على مثل هذه الصورة . وإن ظهر وقوع ما أشرنا إليه ، وغلب على الظنّ كونُه ( 2 ) ، فالظاهر عندي ، أنه يجب اجتنابه ، وحد الكراهية لا ينتهي إلى المباح الذي وصفناه ، ولكن إن كان التوقع على ندور ، أو لم يكن غالباً في الظن ، فهذا مظنة الكراهية ، وإن غلب وظهر ، فالأوجه الاجتناب . ثم ذكر الشافعي رحمه الله كلاماً في الذين لم تبلغهم الدعوة إذا انتهينا إليهم ( 3 ) . وهذا مما قدمته على أبلغ وجهٍ في البيان في كتاب الديات ، عند ذكري أبدال نفوس أهل الملل وأقدار دياتهم . . . .
--> = المنيفة : ص 174 ، طريقة الخلاف : ص 241 مسألة 97 ، إيثار الإنصاف : ص 244 . ( 1 ) الانفلال : الانهزام . من انفلّ القوم أو الجند : أي انهزموا ( المعجم ) . ( 2 ) كونه : أي وجوده : كان هنا تامة . ( 3 ) ر . المختصر : 5 / 188 .