عبد الملك الجويني
46
نهاية المطلب في دراية المذهب
محترمة ، وإنما يجب الضمان بالجرح ، والقسامة لا تجري في أروش الجراحات ، فهذا تعليل بطلان القسامة . ولو جرح مسلماً ، فارتد ، ثم عاد إلى الإسلام ومات مسلماً من سراية الجراحة ، فالقول في وجوب القصاص ، ثم في وجوب الدية تقدم مستقصىً في أول الجراح . والقدر الذي تمس الحاجة إلى إعادته أنا إن أوجبنا القصاص في النفس ، فلا شك في وجوب تمام الدية ، ثم لا ريب في جريان القسامة ، وإن لم نوجب القصاص ، ففي كمال الدية خلاف ، وإن لم نوجب الدية الكاملة ، ففي مقدار ما نوجب خلاف . فإن أكملنا الدية ، جرت القسامة في محلها على شرطها ، وإن أوجبنا بعضاً من الدية ، ففيما نقله بعض الأثبات عن القاضي أن القسامة لا تجري ، وهذا صحيح عندنا ، والوجه إجراء القسامة ، لأن الواجب ضمان الروح ، فإن أهدرنا البعض بسبب اقتضى الإهدار ، فالذي أوجبناه هو في مقابلة الروح . وإن طلب طالب لما حكيناه عن القاضي وجهاً ، فالممكن فيه أن القسامة تثبت مائلة عن سَنَنِ القياس ، وإنما صح النقل فيها إذا كانت الروح محترمة مضمونة بكمالها ، وإذا تطرق الإهدار ، وكان البعض من الروح هدر ، والبعض مضمون ، وهذا غضٌّ ظاهر من حرمة النفس ، فيلتحق هذا الضمان بالأطراف . فإن قيل : ماذا ترون في الكفارة في هذه الصورة ؟ قلنا : الظاهر وجوب الكفارة ؟ فإنا نقول : إذا اشترك جماعة في قتل إنسان ، فيجب على كل واحد منهم كفارة تامة ، وإن لم ينتسب إلى تمام القتل ، فيجب أن يكون الأمر كذلك هاهنا ، وقد يَفْصِل الفاصل بأن جملة الروح محترمة في مسألة الشركاء وتبعيضها عسر ، وهاهنا جملة الروح ليست محترمة ، وإيجاب الكفارة والحرمة غير تامة بمثابة تقدير الكفارة في الأطراف وهذا بعيد . والوجه إيجاب الكفارة . نعم ، سنذكر قولاً بعيداً في أن الشركاء تلزمهم كفارة واحدة مفضوضة عليهم ، فعلى هذا إذا تبعضت الدية إهداراً [ وإيجاباً ] ( 1 ) ، أمكن أن
--> ( 1 ) في الأصل : " وانحارا " ( كذا تماماً ) .