عبد الملك الجويني

458

نهاية المطلب في دراية المذهب

وكان لا يتأتى الفتح إلا بقتل التِّرَسة ، فنجاوز هذه القلعة ، وتصوير هذا عسر ؛ فإنهم إذا كانوا يقاتلون وراء التِّرَسة ؛ فإنهم يقتحمون ، وإن كانوا يقاتلون وراء التِّرسة ، فلا عصام حينئذٍ ، فقد اجتمع في هذه الصورة طريقتان متضادتان : إحداهما - أنهم إذا كانوا لا يقاتلون ، فهل يجوز قتل النساء والصبيان ؟ فعلى قولين . وإن كان الفتح لا يتأتى إلا بقتلهم . هذه طريقة . والأخرى على مضادتها ، وهي أنا هل نقتلهم إذا كان الفتح يتأتى من غير أن يقتلوا ؟ فعلى قولين . فهذا مجموع القولين في اختلاف الطرق . وقد تمهد أصل المذهب في معنى تحريم قتل النساء والصبيان . 11343 - ثم إن الأصحاب ذكروا على الاتصال بهذا الفصل كون المسلمين بين أظهر الكفار أو في قلاعهم ، والتفصيل فيه إذا تترسوا بأسارى المسلمين ، والغرض من هذا يبين بذكر صور سبقت أمثالها في أطفال المشركين ونسائهم : فإن كان في القلعة التي نبتغي فتحها مسلم أو مسلمون ، وكان فتحها لا يتأتى إلا بنصب المنجنيق ، والأسبابِ العامة ، نُظر : فإن كانت هذه الأسباب تنال المسلمين في القلعة لا محالة ، فالوجه القطع بتحريم التمسك بهذه الأسباب . وإن كان فيهم مسلم أو أعداد قليلون ، وكان يغلب على الظن سلامتهم إذا كانوا متمكنين من التوقي ، ففي جواز نصب المنجنيق والحالة هذه قولان : أحدهما - المنع لمكان المسلم ، وخيفةِ إفضاء الرمي إلى إهلاكه ، وزوالُ الدنيا أهون عند الله من دم مسلم . والثاني - أنه يجوز لغلبة الظن في السلامة والدارُ دار حرب ، والكفار لا يعدِمون أسرى من المسلمين يبدِّدونهم ( 1 ) في القلاع ، فيصير ذلك ذريعة إلى التحصّن عن جنود الإسلام . هذا تفصيل القول فيه إذا لم يكن المسلم معرّضاً لأسلحتنا بمرأى منا ومسمع . 11344 - وأما إذا تترس كافرٌ بمسلم ، نُظر . فإن كان المتترس لا يبغي مقاتلتَنا ، وإنما يبغي الدفع ، فإن أمكن قصده مع توقي المسلم ، قُصد برمحٍ أو سيفٍ ، أو

--> ( 1 ) يبددونهم : يفرّقونهم .