عبد الملك الجويني

452

نهاية المطلب في دراية المذهب

أمراً يمكن مخادعة الله فيه ، ووقوع إبرام العزم على العود في النفس من غير تردد إلا في مشيئة الله تعالى لا يمكن تكلف تحصيله ، فهؤلاء - من الأصحاب - سوّغوا الهزيمة إذا وجد المنهزم في نفسه العزمَ على العود ، ولا بدّ من التفريع على الطريقتين حتى يتناهى وضوح كل واحدةٍ منهما . 11339 - فأما من يجوّز الهزيمة إذا تحقق القصد في التحيز إلى فئة ، فإنه يقول : لا يجب أن يشتغل بالعود والاستنجاد ، ولا يتعين الاستبداد في ترشيح جمع ، ولكن إذا اتفق الجمع ، فهل يجب عليه الوفاء بالقصد الذي قدمه ؟ هذا فيه نظر ، فإن إيجابه وقد انتهى إلى أقصى الشرق أو الغرب في حكم القضاء لأمرٍ فات ، وتصوير القضاء عسرٌ في الجهاد . ومن ولّى الكفار دبره ، وباء بغضب من الله ، وتعرّض لأليم عقابه ، لا يلزمه أن يعود إلى الجهاد ، فكيف يلزم من قصد التحيز أن يحقق قصده ؟ ومن نذر الجهاد ، فسنذكر إن شاء الله تعالى أن النذر لا يؤثر في الجهاد على طريقة ظاهرة . وكذلك إذا نذر الصلاة على ميت ، والقصد في العود لا يزيد على التصريح بالالتزام ، ويعترض في هذا إشكال ، وهو أن القصد إذا لم يجب الوفاء به في حكم اللغو الذي لا حكم له ، فيجوز أن يقال : من فرّ متحيزاً ، فحق عليه أن يعود إذا أمكن العود ، ويجوز أن يقال : لا يجب ذلك ، ولفظ الصيدلاني في مجموعه : " أنه متى فرّ على قصد أن يعود إلى الجهاد إذا وجد أعواناً وقوة ، فليس بعاصٍ ، وإنما العاصي من يفرّ على قصد ألا يعود ، بل يعصي إمامه إذا أمره بالعود " ، وظاهر هذا يدلّ على أن قصده لا يغير من أمره شيئاً ، فإن الإمام مهما عين متمكناً من الجهاد ، لزمه أن يمتثل أمره . وبالجملة المسألة محتملة ، والاحتمال فيه ظاهر . هذا إذا وقع التفريع على أن التحيز إلى الفئة البعيدة يحطّ مأثم الفرار ، ووبال الهزيمة ، فأما إذا حملنا التحيز على الاستنجاد بالفئة القريبة التي يمكن منها إنجاد أهل هذه المعركة ، فهذا في نفسه مفهوم ، وليس فيه ما يبيح الفرار ، ومن آثار هذه الطريقة أنه إذا لم يكن في القرب فئة ذات نجدة ، فتجب المصابرة ، ويحرم الفرار . ويتسق على هذا المذهب وجوب المصابرة في معظم الصور ؛ فإن