عبد الملك الجويني

445

نهاية المطلب في دراية المذهب

ما يؤخذ من الأموال المباحة بمثابة المغانم ، لأنه لا يتصوّر الوصول إليها إلا مع الاستظهار بعُدّةٍ ( 1 ) ، فقد يحسب الناظر أن سبيل المأخوذ كسبيل الغنيمة ، أو كسبيل الفيء ، وليس كذلك ؛ فإن المغنم والفيء ما كان ملكاً لأهل الحرب ، فأظهَرَنا [ الله ] ( 2 ) عليه ، إما بقتال ، أو برعب من غير إيجاف خيل وركاب ، والمباحات هي التي لم يتعلّق بها ملك . ثم قال الأئمة : إذا وجد في الصيد ظبية مقرّطة ، أو مقرطقة ، والمقرط الذي جعل في أذنه القرط ، والمُقَرْطَق هو الذي جُزّ صوفه على علامة كالقَرْطَق ( 3 ) ، فنعلم أن هذه الظبية مملوكة لمن صادها ( 4 ) ، فإذا وجدناها في دار الحرب ، فقد تساهل الأصحاب ، وقالوا : سبيلها كسبيل الغنيمة . وهذا يجيء على مذهب المسامحة ، فإن كل ما يؤخذ من أملاك الكفار لا يكون غنيمة ، بل المغنوم ما يؤخذ قهراً بقتالٍ ومكاوحة ، وقصدٍ ودفع ، وما يتفق الظهور عليه من غير مناوشة وقتال ، فسبيله سبيل الفيء . والغرض مما نذكره يبين بتفصيلٍ : فنقول : كل ما لو وجد في دار الإسلام ، لكان لقطة ، فإذا وجد في دار الحرب ، فهو مُجرى على ملك الكفار ، ثم أخذه يتصوّر من ثلاثة أوجه : أحدها - المغالبة ، فما كان كذلك ، فهو غنيمة ، والآخر - أن يجري انجلاء الكفار عنه بإرعاب وإرهاب من غير إيجاف خيل وركاب ، فما كان كذلك ، فهو فيء ، والثالث - أن يتفق أخذه من غير إرهاب ، ولا قتال ، وفي هذا القسم فضل تدبّر ؛ فإن الأصحاب أجمعوا على أن من دخل دار الحرب مستخفياً وسرق شيئاً ، فإنه يختص بما أخذه ، وهذا مما ليس غنيمة ولا فيئاً خصصناه لصاحب اليد .

--> ( 1 ) المراد عُدة الصائد وجهده ، فلا يدخلن الظن من هنا أنه غنيمة . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) القرطق : مثال جعفر ، ملبوس يشبه القَباء . وهو من ملابس العجم ( المصباح ) وكانوا يجزون الصوف على هذه الهيئة علامة على أن هذا صيد مملوك . قاله الغزالي في البسيط : 5 / ورقة : 162 يمين . ( 4 ) لمن صادها : المراد لمن صادها سابقاً .