عبد الملك الجويني

431

نهاية المطلب في دراية المذهب

تردد هؤلاء الأصحاب في استحقاق المراغمين المزجورين . وهذه الطريقة ضعيفة . والعجب أنا اقتصرنا عليها في قسْم الغنائم ، ولم نذكر الطريقة الصحيحة ، وقد أتينا بها الآن ، وكتاب القَسْم وكتاب السِّير تتداخل فصولهما ، فإذا ألفي الناظر نقصاناً في أحد الكتابين ، فليدبّر ذلك الفصلَ من الكتاب الثاني . 11318 - ولو قهر الإمام طائفةً من المسلمين ، وأخرجهم إلى الجهاد ، لم يستحقوا أجر المثل ؛ فإنهم من أهل الجهاد ، فالجهاد يقع عنهم ، هكذا ذكره الصيدلاني وغيره ، وهذا يدلّ دلالة ظاهرة على أن استئجار المسلمين على الجهاد غيرُ لازم ، والعجب أن الصيدلاني قطع باستئجار المسلمين للإمام ، ثم قال : لو أخرجهم قهراً ، لم يلزم لهم أجر ، ولو صح جواز الاستئجار ، فالظاهر أنه لو أخرجهم قهراً ، أدّى أجرَ مثلهم من المال الذي لا يؤدى منه الأجر المسمى ، والله أعلم . وإذا كان الجريان على الأصح ، وهو امتناع حقيقة الاستئجار ، فيطّرد على هذا أنه من سمى شيئاً للمسلمين ، فهو تجهيز لهم وإمداد بالعتاد والزاد ، فعلى هذا إذا قهرهم وأخرجهم لم يستحقوا أجراً . قال الصيدلاني : لو عين الإمام شخصاً ، وألزمه غسل الميت ودفنَه ، فليس لذلك المقهور أجرٌ على عمله ، وهذا الذي ذكره فيه فضل تدبر ؛ فإنا نقول : إن كان لذلك الميت تركة ، فأجرةُ من يتولى هذه الأعمال من تركته ، فإذا قُهر شخصٌ والحالة هذه ، استحق المقهور الأجر . وإن لم يخلف الميت شيئاً ، وكان في بيت المال متسع لتجهيز الموتَى ، فيجب ذلك على الإمام من مال بيت المال ، وإن لم يكن ، فأراد الإمام أن يعين واجداً ( 1 ) ، فلا معترض عليه ، وإذ ذاك يتجه أن يقال : لا أجر له . وقد قدمنا أن الإمام لو عين طائفة ، وأمرهم بالخروج للجهاد ، لم يكن لهم أن يخالفوه ، ثم هو في نفسه لا يلي شيئاً من أموره على الخِيرة العريّة عن الاجتهاد

--> ( 1 ) واجداً : أي غنياً مليئاً ذا مال .