عبد الملك الجويني

428

نهاية المطلب في دراية المذهب

أريد أن أجاهد معك ، فقال : أمسلمٌ أنت أم مشرك ؟ فقال : مشرك ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أرغب في المشركين " فردّه . قلنا : تمام الحديث " أنه عاد ثانياً ، وذكر مثلَ ما ذكر أولاً ، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك وردّه ، فلما عاد الثالثة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسلم أنت أم مشرك ؟ فقال : مسلم ، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( 1 ) ، والغالب أنه توسّم فيه الميلَ إلى الدين ، وكان يردّه رجاء أن يسلم ، فتحققت فراستُه وصدق ، فكان ما جرى من المرادّة محمولاً على تحصيل هذا المعنى . ثم جوّز أئمتنا الاستعانة بالمشركين على التفصيل المقدّم ، ولم يجوّزوا استصحاب المخذِّل قط ، فإنا قد نظن ظناً ظاهراً أن الكفار يذبّون عن مساكنهم في الإسلام وديارهم ، فإذا كانوا تحت قهرنا على ما فصلنا ، لم يمتنع الاستعانة بهم . وأما المخذل ، فلا خير فيه ، وهو ضرر كله . 11313 - ثم ذكر الشافعي جوازَ استئجار المشرك على القتال . وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من هذا . ولكنا نعيد الفصل ، ونَزيدُ أموراً ، ونتدارك أطرافاً في الكلام لا بد من التعرّض لها . فنقول : أما الاستئجار ، فجوازه مبني على أن الجهاد لا يقع عن الكافر ، وإنما المانع من استئجار المسلم على الجهاد أن الجهاد يقع عنه ، فيبعد استئجاره على فعلٍ يقع عنه ، وقد ذكرنا الكلام على إطلاق الأصحاب القولَ بأن للإمام أن يستأجر المسلمين على الجهاد ، وتكلمنا عليه بما ينبغي . 11314 - وهذا الفصل مقصور على استئجار أهل الذمة : فلا امتناع إذاً من الجهة التي ذكرناها في المسلم ، ولكن قد يعترض نوع آخر من الإشكال ، وهو أن الاستئجار إنما يصح إذا كانت الأعمال مضبوطة ، وما يشتمل عليه القتال من الأعمال ليس مضبوطاً ، ولأجل هذا المعنى اضطرب أصحابنا ، فقال قائلون : هذه جعالة ، وقال

--> ( 1 ) حديث " أن رجلاً جاء يريد الجهاد فقال عليه السلام : أمسلم أنت ؟ . . . " رواه مسلم : الجهاد والسير ، باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر إلا لحاجة أو كونه حسن الرأي في المسلمين ، ح 1817 ، والبيهقي : 9 / 37 .