عبد الملك الجويني
406
نهاية المطلب في دراية المذهب
إليها ، فيكون ذلك سفراً منقطعاً ، ويقرب التحرز فيه من التحرز في سفر الجهاد ، وينضم إلى هذا القبيل أن السفرة ليست واجبة في نفسها . فخرج مما ذكرناه أن السفر القصير لا يجب أن يكون فيه خلاف . والسفر الطويل المباح على التردّد في كل صورة . وإن استبعد مستبعد وجوب استئذان الأبوين ، فإني أخشى أن يكون هذا من استمرار الإلف بالاستبداد بالنفس ، وحكم الدين طلبُ البر بالوالدين . قال الله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . . . } الآية [ الإسراء : 23 ] ، وفي الآية لطيفة لا يتفطّن لها إلا موفق ، وهي أنه تعالى أبان أنه لا معبود غيره ، ثم ذكر برّ الوالدين على أثر عبادته ، ونبه على أنه تِلوُ عبادته تعالى ، ومن أدنى آثار ذلك طلب رضا الوالدين في الأسفار المباحة . وهذا منتهى الأمر في ذلك . وليس يبعد عندي إلحاق الأجداد والجدّات بالوالدين فيما ذكرناه من اشتراط الرضا ، ولا يبعد تنزيل الأبوين الكافرين منزلة المسلمين في غير سفر الدِّين ، يعني الأسفار المباحة ، والأمور الدنياوية . 11287 - ومما يُرعى في الجهاد الواقعِ فرضَ كفاية المعاذيرُ التي تتصف النفوس بها . قال الشافعي في صدر الباب : قال الله تعالى : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى . . . } الآية [ التوبة : 91 ] . وقد أبنَّا أنها نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة تبوك للضعف والعجز ، وقد نزلت آيتان في سورتين ، وصيغ الكلام فيهما متقاربة ، والمقصود مختلف . قال الله تعالى في سورة النور : { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ } [ النور : 61 ] ، وقال في سورة الفتح : { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ } [ الفتح : 17 ] . والمراد برفع الحرج في سورة النور أنه لا حرج على الموصوفين بالعلل التي ذكرناها في مؤاكلة من ليس لهم تيك العلل ، فللأعمى أن يؤاكل البصير ، وإن كان قد لا يتأتى منه مراعاة الأدب في تقدير اليد وإعمالها فيما يليه ، ولا يخفى أن الأدب أن يأكل الإنسان مما يليه ، وقد روي : " أن ابن عباس كان يؤاكل رسول الله صلى الله عليه