عبد الملك الجويني
404
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإن أراد الرجل أن يسافر لطلب العلم المتعيَّن عليه - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - فلا يحتاج إلى الاستئذان ، فإذا كنا لا نعلّق سفرة الحج بالإذن مع أنه يقبل التأخّر ، فسفر التعلم فيما لا بد منه أولى بألاّ يفتقر إلى الإذن . فأما الحظّ الذي يتعلّق من العلم بإفادة الغير ، وهو الترقي إلى رتبة المجتهدين ، فالتفصيل فيه أنه إن كان في القطر والناحية من يستقل بالفتوى ، فخروج الإنسان ليس خروجاً يندرىء به الحرج ، فإن الحرج مرفوع باستقلال مُفتي الناحية ، فهل يجوز الخروج ليكون هو من جملة المفتين أيضاً من غير إذن الوالدين ؟ فعلى وجهين : أصحهما - الجواز ؛ فإن الإنسان مطلقٌ لا حجر عليه ، فلو حرمنا عليه الخروج دون رضا الوالدين ؛ لكان ذلك مفضياً إلى حبسه ومنعه من الانتشار في أرض الله تعالى ، سيّما إذا كان يبغي رتبةً شريفة ، ودرجة منيفة ، والغالب أن نفوس الأبوين لا تطيب بفراق الولد . وما ذكرناه في سفر الغزو في حكم المخصوص الذي يُتّبع فيه ولا يقاس عليه ، وفيه اختصاصٌ بالمصير إلى مصرع الموت ، فيكثر لأجل ذلك تحرز الأبوين ، وهذا لا يتحقق في سائر الأسفار ، هذا إذا كان الخروج بحيث لا ينال من تركه حرج . فأما إذا كان الفتوى معطلة ، فالحرج ينبسط على كل متأخر عن التشمير ، فإذا ابتدر من فيه رُشد ، وهو يدرأ عن نفسه الحرج ، فلا حاجة إلى استئذان الأبوين بلا خلاف ، ويلتحق هذا بالعلم المتعيّن . وإن خرج أوْ همّ بالخروج أقوام ، وكان هو من الهامين بالخروج ، والفوزُ برتبة الفتوى غيبٌ ، فلا يُدرى من ينالها ، فالأصح أنه لا يحتاج إلى الاستئذان أيضاً ، وفيه وجه بعيد أنه لا بدّ من استئذانهما ، فإن في الناهضين كثرة ، فإذا كان هو أحدَهم ، وليس على ثقة من الفوز بالمراد ، فقد يظن الظان أن [ تنجيز ] ( 1 ) برّ الوالدين أولى . فانتظم في العلم مراتب : أحدها - الخروج لطلب العلم المتعين ، وليس فيه اشتراط الإذن ، والثانية - الخروج لنيل رتبة الفتوى ، وفي البلد من يستقل بها ، وفيه
--> ( 1 ) في الأصل : " تنجّز " .