عبد الملك الجويني

399

نهاية المطلب في دراية المذهب

في زماننا ، كما سنصفه إن شاء الله عز وجل . وإن قلنا : كان الغزو فرضاً عليهم من غير علّة ولا قلة ، فهو إذاً خاصِّيّة ، ولا يكاد يثبت هذا بنقلٍ موثوق به ، ولا باستفاضةٍ تغني عن النقل . ولو عين الإمام في زماننا قوماً ، فحقٌّ عليهم أن يذعنوا ، فإنهم لو سلّوا أيديهم عن الطاعة ، لانتثر النظام ، وتزعزعت القاعدة ، فلا بد إذاً من ارتسام مراسم الإمام . ثم إنه يرعى فيهم بصفة المناوبة ، ولا يتحامل على طائفة بتكرير الإغزاء مع ترويح الآخرين وتركهم إلى الدَّعة . فإذا تعلّق الكلام بمحض أحكام الإمامة ، فالأولى الانكفاف . وأجمع موضوع لنا في أحكام الإمامة ، مع الإيجاز والتنصيص على غوامض أحكام الأئمة الكتاب المترجم ( بالغياثي ) . 11280 - فإذا تمهد ما ذكرناه من فروض الكفاية فإنا نذكر على الاتصال بهذا المنتهى الصفات المرعية فيمن يكون من أهل هذا الفرض . والكلام في ذلك يتعلّق بقسمين : أحدهما - في الصفات التي تعدّ من اللوازم ، والثاني - الكلام في الأعذار الطارئة . فأما القول في اللوازم ، فالعبد ليس من أهل فرض الكفاية في نفسه ، وإن أمره مولاه بأن يقاتل ، فما الرأي فيه والأمرُ من المولى جازم ؟ والوجه أنهم لا يلزمهم طاعته ؛ فإنهم ليسوا من أهل هذا الشأن بأنفسهم ، والمِلك لا يقتضي التعرّض للهلاك ، فليس القتال من الاستخدام المستحَق للسيد على العبد المسترقّ ، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف ، وإذا لم نوجب الدفع على المسلم المقصود ( 1 ) ، على التفصيل الذي قدّمناه للفقهاء ، فلا يجب على العبد أن يدفع عن سيده ، إذا كان في الدفع مُعرضاً نفسه للهلاك ، ولا أثر للملك في هذا الباب ، ولاحظ للسيد في دم عبده ، على معنى أن يعرضه للتلف . نعم له استصحاب عبده ليخدمه في السفر ويسوسَ الدابة ، كدأبه في الظعن والإقامة .

--> ( 1 ) المقصود : المراد هنا المقصود بالصيال والعدوان عليه . فهو يسمى المقصود والمعتدي يسمى القاصد .