عبد الملك الجويني

391

نهاية المطلب في دراية المذهب

فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } [ التوبة : 83 ] فقال المنافقون : إن محمداً يجرّنا ويحرمنا الغنائم ، فنزل قوله تعالى : { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ . . . } [ الفتح : 15 ] ، ونزل في شأن الثلاثة الذين تخلفوا مع القدرة ووجود الأُهبة : { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ . . . } [ التوبة : 93 ] ، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يعتذروا خجلاً واستحياءً ، وربطوا أنفسهم على سواري المسجد ، وقالوا : " لا نَحُلُّ نفوسنا حتى يَحُلَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أَحُلُّهم حتى يَحُلَّهم الله عز وجلّ " ( 1 ) ؛ فنزل قوله تعالى : { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ . . . } إلى قوله تعالى { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } [ التوبة : 117 ، 118 ] ونزل في بيان العاجز عن الخروج قوله تعالى : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى . . . } [ التوبة : 91 ] ، وقوله تعالى : { وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ . . . } [ التوبة : 92 ] . وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة حجةَ الوداع ، وفيها نزلت آية التكميل ، وعاش صلى الله عليه وسلم بعد أن قضى حجه اثنين وثمانين يوماً ، واتفقت له غزوات ليست من المشاهير ، وهي مذكورة في المغازي . ثم إن الشافعي أكد في صدر الكتاب طرفاً من أحكام الهجرة ، والرأي ألا نخوض فيها ؛ فإنها ستأتي مجموعة في باب بعد هذا ، إن شاء الله تعالى ، وذكر من لا يكون من أهل فرض الكفاية في الجهاد ، ورأيت هذا الفصلَ لائقاً بالباب الذي يلي هذا الباب ؛ فأخرته إليه . . . .

--> ( 1 ) هذه الآية التي أشار إليها الإمام قبلاً وهذا الحديث ليسا في الثلاثة الذين خُلفوا ، فلم يكن منهم ربطٌ في سواري المسجد . وإنما كان الربط من أبي لبابة رضي الله عنه ، واختلف في شأن هذا القصة ، هل كان وحده أم ربط آخرون أنفسهم معه على خمسة أقوال ، كما اختلف في شأن الواقعة هل كانت في غزوة تبوك أم في بني قريظة . ( ر . تفسير الطبري - طبعة الشيخ محمود شاكر : 14 / 446 - 452 ، الدر المنثور : 2 / 487 - 489 ، دلائل النبوة للبيهقي : 5 / 270 ، الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك لعبد القادر حبيب الله السندي : 112 - 123 ) .