عبد الملك الجويني
385
نهاية المطلب في دراية المذهب
عسر ربطها ، لا يعسر سدّ المنافذ حتى لا تنفذ منها إلى دور الجيران ، ثم الذين أوجبوا الضمان اختلفوا : فقال قائلون : ما تتلفه نهاراً ، فعلى صاحبها الضمان ، وما تتلفه ليلاً ، فلا ضمان ؛ فإن الأشياء تحفظ عن الهرّ ليلاً ، ولا يحتاط فيها نهاراً . فإذا تقدّر التلف نهاراً ، فالتفريط غير منسوب إلى أصحاب الطيور وما في معناها . ومن أصحابنا من يعكس ذلك ، فيقول : ما تتلفه ليلاً يضمنه ربُّها ؛ فإن أكثر شرِّها وانتشارها بالليل ، إذا نام الحفظة ، والأعين الكالئة ، فينبغي أن يحتاط ربها ، وما تتلفه نهاراً ، فالتفريط فيه على ملاك الطيور ؛ من حيث غفلوا عن مراقبتها . وما ذكرناه في هرّة لا تعهد ضارية ، فأما إذا ضَرِيتْ بالإفساد ، وقتل الطيور ، فأول ما نذكره فيها أنها إن كانت لم تقتل ، وإن كانت مسيبة ، فقد قال القفال : لا تُقتل أيضاً ؛ فإن الاحتراس ، والاحتراز منها ممكن ، فتُدفع ، فإن أتى الدفعُ عليها ، فلا حرج . وقال القاضي : إذا ظهرت ضراوتها ، وبان شرها في إهلاك الأموال والطيور ، فيجوز قتلها كما يقتل الكلب العقور . ثم قال : لا يختص جواز قتلها بوقت ظهور شرها ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمر بقتل الفواسق في الحل والحرم " ( 1 ) ، ولم يخصص بوقت بدوّ شرها ، وشرُّها في الأموال أو في البهائم ، فإن مما أُمر بقتله الغراب والحدأة ، وإن كان شرهما في ضِرارٍ وفي أمور تتعلق بالمعايش . وهذا متجه ، فإن اتفقت ضراوة الهرّة ، التحقت بالمؤذيات ، [ فمساق ] ( 2 ) هذا الكلام يتضمن جواز قتلها ، وإن كانت ربيطة . وليت شعري ماذا نقول في الحدأة المَصِيدة التي اختص بها من اصطادها ، وهي في قفصه أو رباطه ، فهل يحلّ قتلها ؟ الحديث يقتضي جوازَ قتلها ، ولا يجري الملك فيها ، كما لا يجري الملك في الحشرات ، ولا يحلّ إذاً على هذا اقتناؤها ، بل على من يستمكن منها أن يقتلَها . وإن
--> ( 1 ) حديث " أمر بقتل الفواسق في الحلّ والحرم " متفق عليه من حديث عائشة ( ر . البخاري : جزاء الصيد ، باب ما يقتل المحرم من الدواب ، ح 1829 . مسلم : الحج ، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم ، ح 1198 ) . ( 2 ) في الأصل : ومساق .