عبد الملك الجويني

368

نهاية المطلب في دراية المذهب

والقول الثاني - يجوز الاستسلام ، ومعتمده الأخبار الصحيحة ، ومنها ما روي عن حذيفةَ بنِ اليمان : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ما سيكون من الفتن ، فقال حذيفة : يا رسول الله لو أدركني ذلك الزمان ، فقال : ادخل بيتك ، واخمل ذكرك ، فقال : أرأيت لو دخل بيتي ؟ فقال : إذا راعك بريق السيف ، فاستر وجهك ، وكن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل " ( 1 ) . وفي بعض الأخبار : " ولأن تكن خير ابني آدم " ( 2 ) عَنَى صلى الله عليه وسلم قابيل وهابيل . وصح عن عثمان رضي الله عنه : " أنه استسلم يوم الدار ، وقال : لا أحب أن يراق فيّ مِحْجَمة دم " ، وكان معه في الدار أربعمائة من الغلمان الشاكين السلاح ، فقال : " من ألقى سلاحه ، فهو حر " ( 3 ) . فإذاً لاح في الدفع وإن أفضى إلى القتل ، وفي الاستسلام قولان : أحدهما - أنه محرّم ، والثاني - غير محرّم . ثم اختلف أصحابنا في تأويل هذا القول ، فمنهنم من قال : الاستسلام جائز ، ومنهم من رآه مندوباً إليه مستحباً ، وإليه إشارة الأخبار في استحسان الإيثار ، وإن أدى إلى هلاك المَؤْثر ، وهو شِيمُ الصالحين ، ويتصوّر من أوجه ، يدل البعض منها على

--> ( 1 ) حديث " كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " سبق تخريجه . ( 2 ) حديث : " كن خير ابني آدم " ، أخرج أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم " الحديث . وفيه : فإن دخل عليَّ بيتي وبسط يده إليّ ليقتلني ، قال : " كن كابن آدم " . وفي الباب من حديث ابن عمر ، رواه أحمد ، ومن حديث أبي موسى ، رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، وابن حبان ( ر . المسند : 1 / 169 ، 185 ، 4 / 408 ، 416 ، الترمذي : الفتن ، باب ما جاء تكون فتنة القاعد فيها ، ح 2194 ، أبو داود : الفتن والملاحم ، باب في النهي عن السعي في الفتنة ، ح 4259 ، ابن ماجة : الفتن ، باب التثبت في الفتنة ، ح 3961 ، ابن حبان : ح 5931 ، التلخيص : ح 2146 ) . ( 3 ) حديث استسلام عثمان يوم الدار وصرفه المدافعين عنه ، وأنه قال : " من ألقى سلاحه فهو حر " قال الحافظ في التلخيص : لم أجده ، وفي ابن أبي شيبة من طريق عد الله بن عامر سمعت عثمان يقول : " إنّ أعظمكم عندي حقّاً من كفّ سلاحه ويده " ( ر . ابن أبي شيبة : 15 / 204 ح 19507 ، التلخيص : 4 / 161 ح 2154 ) .