عبد الملك الجويني
364
نهاية المطلب في دراية المذهب
قيل : لَمْ يقف بعضُ العلماء في التعزيرات على موقف ، حتى رأى مالكٌ ( 1 ) القتلَ تعزيراً ، وهذا [ يوافق ظن مَنْ ] ( 2 ) لا يدق نظره إلى الإيالة التامة ؛ فإن الهَنة التي تصدر من آحاد الناس في الخطر لا يدرؤها جلدات نكال ، سيّما وقد بعد العهد ، وتمادى الزمن ، ولا يزداد المستأخرون إلا شرّاً . قلنا : لا مزيد على ما ذكرناه . والسؤال ( 3 ) برعاية الإمام وكلاءته ؛ فإنه إن أحسن إقامة الضوابط ، وألزم نفسه الاطلاعَ ، ومهَّد طرقَ تقاذف الأخبار إليه ، وعضد كلَّ قُطرٍ بقوّامٍ به ، وتقدم إلى أصحاب الأعمال ، إذا بدا من الناس ما يستوجبون الآداب به أن يعزّروا ، ولا يتسامحوا ، وإن تكررت الهَنات تكررت الجلدات ، فهذا كافٍ ، وإنما الشرّ كله في الإهمال ، وقطع عين المراقبة عن الناس ، وإن تألّبت طائفة ، وسلّت يدها عن الطاعة ، رُدّت إلى الطاعة بغرار ( 4 ) السيوف . ولو كانت قضايا الشرع تختلف باختلاف الناس ، وتناسخ العصور ، لانحلّ رباط الشرع ، ورجع الأمر إلى ما هو المحذور من اختصاص كل عصر ودهر برأي . وهذا يناقض حكمةَ الشريعة في حمل الخلق على الدعوة الواحدة ، ولما ذكر صاحب التقريب مقالات الأصحاب في التعزيرات ومبالغها روى عن أبي بُردة بن نِيار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجلد فوق العشرة إلا في حدّ " ( 5 ) . قال صاحب التقريب : هذا خبرٌ صحيح ، لو [ بلغ الشافعي ] ( 6 ) ، لقال به ، وقد صح من أقوال الشافعي أن من يبلغه مذهبٌ منه ، ويصح عنده خبر على خلافه ، فحق عليه أن يتّبع الخبر ، ويعتقدَ أنه مذهبُ الشافعي ؛ فإنّ كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء
--> ( 1 ) ر . الإشراف للقاضي عبد الوهاب : 2 / 928 مسألة 1863 ، 1864 ، المعونة : 3 / 1406 ، حاشية الدسوقي : 4 / 355 . ( 2 ) في الأصل : " يوافق من ظن من لا يدق نظره " . ( 3 ) كذا قدرناها . ( انظر صورتها ) والمعنى أن السؤال يندفع برعاية الإمام . . . إلخ . ( 4 ) الغِرار : حد السيف ونحوه ( المعجم ) . ( 5 ) حديث أبي بُرْدَة بن نيار الأنصاري متفق عليه ( البخاري : الحدود ، باب كم التعزير والأدب ، ح 6848 ، مسلم : الحدود ، باب قدر أسواط التعزير ، ح 1708 ) . ( 6 ) في الأصل : " لو بلغه " والتغيير لمجرد الإيضاح .