عبد الملك الجويني
362
نهاية المطلب في دراية المذهب
المولّي ( 1 ) حتى يُدركه قاصدُه ، فيقتله ، فلا يشك ذو تحصيل أن ما ذكرناه أبلغ من قطرةٍ من خمرٍ يتعاطاها ولوعٌ بها مذمّم في نفسه . التفريع : 11236 - إن حكمنا بأن أبلغ التعزيرات محطوط عن أقل الحدود ، فأقل الحدود حدُّ الشرب ، فليحط التعزير عنه ، ثم اختلف أصحابنا إذا كان المعزَّر حرّاً ، فمنهم من قال : يحط تعزير الحر عن حدّ الحرّ ، وهو أربعون ، ويحط تعزير العبد عن حدّ العبد في الشرب ، وهو عشرون . ومن أصحابنا من قال : أبلغ التعزيرات محطوط عن عشرين ؛ فإنه أقل الحدود على الجملة ، وهذا الوجه إن كان ضعيفاً في طريق المعنى ، فإنا سنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الفصل ما يعضده . وإن فرّعنا على أن كلَّ تعزيرٍ معتبر بالحد الذي يناسبه ، فيعتبر تعزير الحر بحدّ الحر ، وتعزير العبد بحد العبد بلا خلاف ، فإنا إذا كنا نرعى تقارب الأسباب في السبب ، فاعتبار الأشخاص المعزرين أولى . والذي نراه أن تعزير من يتعلّق بأسباب السرقة يجب أن يعتبر بأبلغ الحدود الواقعة بالجلد ، وهو حد الزنا ؛ فإن القطع أبلغ من مائة جلدة . 11237 - ثم قال الأئمة بعد ذلك . : ليس للإمام أن يبتدر الضربَ بل نرعى في ترتيب التأديب من التدريج والاكتفاء بأقل المراتب ما يرعاه الدافع في الاقتصار على حاجة [ الدفع ] ( 2 ) ، حتى إن علم أن التوبيخ بالكلام كافٍ ، اكتفى به . وإن لم يره ناجعاً ترقى إلى [ التعنيف ] ( 3 ) فيه ، ثم يرقى من هذه المرتبة إلى ما يرى من حبسٍ ، أو دفعٍ في الصدر ، أو ما جرى هذا المجرى ، ثم هكذا إلى أن ينتهي رأيه . ومن آداب الإمام في ذلك ، أن يتوقَّى هيجه وغضبه [ ويتأتَّى ] ( 4 ) لما يأتي به مُعْمراً ( 5 ) إشفاقاً ، واستصلاحاً للمؤدَّب . وقصة عُمر في ذلك مشهورة : إذ رفع دِرّته
--> ( 1 ) أي المولّي عن الصائل الذي يقصده بالقتل ، فإمساكه عن الهرب حتى يُقتل ذنب عظيم . ( 2 ) في الأصل : " الرافع " . ( 3 ) في الأصل : " التصنيف " . وفيها أثر تصويب زادها تشويهاً . ( 4 ) في الأصل : " ويأتي " . وتأَتَّى للأمر : أي ترفق له وأتاه من وجهه . ( المعجم ) . ( 5 ) معمراً : ( كذا ) ومعناها : ملتزماً : من أعمر الرجل ماله وبيته : إذا لزمه ( القاموس المحيط ) .