عبد الملك الجويني

348

نهاية المطلب في دراية المذهب

التفويض إلى الإمام تخيّراً صدَرُه الإرادة من غير سبب ، ولكنْ حقٌّ على الإمام أن يرعى مصالح الخلق ، فإن رأى إقالةَ عثرةٍ ، وجرَّ ذيل الصفح على هفوة ، فليفعل ذلك . ولا يسوغ والحالة هذه التعزير ، وإن غلب على ظنه أن وجه الاستصلاح في ضرب من تعرّض للتعزير ، فحق عليه أن يضرب . والحدود تتميز عن التعزيرات بأنها إذا ثبتت ، فلا اجتهاد ولا تردد فيها ، وقد قطعت النصوص رأيَ كل ذي رأي فيها ، فلا وجه إلا إقامتُها إذا حُقت ، وإن ثبت ما يدفع ويدرأ ، فلا وجه للإقامة ، والتعزيراتُ مفوضة إلى الاجتهاد . هذا مراد الأئمة لا غير . ثم قتيل التعزير مضمونٌ ؛ من جهة أن الإمام يجب عليه الاقتصار في التعزير على المبلغ الذي لا يُهلك ، كما ذكرناه في تعزير الزوج ، والولي ، والمؤدب ، فهذا مأخوذ على الإمام ، وهو مؤاخذ بما ذكرناه ، وليس هذا عن جهة خروج التعزير عن المقدار المتلقى من التوقيف ، فإنا لا نضمِّن الدافع ( 1 ) إذا رأيناه مقتصراً على حاجة الدفع ، وإن لم تكن أبوابه محدودة توقيفاً ، ولكن قيل : لا موقف لك ، فاتبع حاجتك في الدفع ، وإن أتى على القاصد ( 2 ) . وليس للإمام أن يعزر إلى حصول القتل ، بل إلى حصول التأدّب . 11226 - ومما تردد الأئمة فيه أن التعزير إذا تعلق بحق الآدمي ، مثل أن يُعرِّض بقذف محصن ، أو يصرّح بقذف من ليس بمحصن ، أو يكرر القذف بزنا قد حُدّ فيه ، فهذه التعزيرات متعلّقةٌ بحقوق الآدميين ، فإذا طلبوها ، فهل للإمام ألاّ يقيمها ، إذا رأى الصفح ، والتجاوز أولى ؟ اختلف أئمتنا : فصار صائرون إلى أنه لا خِيرةَ للإمام ، وحقٌّ عليه أن يسعف الطالبَ قياساً للتعزير في هذه المقامات على الحدود إذا وَجَبَتْ .

--> ( 1 ) المراد أن الدافع الذي يدفع عن نفسه لا نضمّنه ما يترتب على الدفع المأذون له فيه ، إذا اقتصر على قدر الدفع . ( 2 ) القاصد : هو المعتدي الذي أجزنا للدافع أن يدفعه ، فلو أتى على القاصد وقتله لا يضمن إذا كان لا يتأتى الدفعُ إلا بقتله .