عبد الملك الجويني
334
نهاية المطلب في دراية المذهب
يعدل الصدّيق عنه إلا على تعديلٍ ( 1 ) وتقريب صدر عن اجتهاد ، والسبب الذي سوّغ ذلك للصدّيق أنه لم ير لما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ضبطاً يسير إلى التحديد ، وعلم أن ما كان كذلك ، فللاجتهاد فيه مساغ . فإذا جاز العدول إلى السياط ، [ فلئن يجوّزوا الضرب ] ( 2 ) بالنعال وأطراف الثياب أولى . ثم الضرب معدلاً بمقدارٍ أمكنُ من تقدير ضربات ملتبسة بأربعين . فإذا ساغ للصدّيق ما فعل ، فلا منعَ من الرجوع إلى الأصل ، هذا هو المذهب . وذكر العراقيون هذا ووجهاً آخر أنه لا يجوز لنا الضرب بالنعال وأطراف الثياب ؛ فإنا كُفينا مؤنة التعديل ، وقد بعد العهد وتناسخت العصور ، ونحن لو ضربنا بالنعال بين أن نحط عن القدر المستحق ، وبين أن نزيد . وهذا وإن أمكن توجيهه ، فالمذهب غيره ، وقد نقله العراقيون ، وزيفوه . ولو رأى الإمام أن يجلد الشارب ثمانين تأسياً بما استقر عليه رأي أمير المؤمنين عمر ، فالذي ذكره شيخي ومعظم الأئمة أن ذلك سائغ ، على ما سنوضحه بالتفريع ، إن شاء الله تعالى . وقال القاضي : الصحيح من مذهبنا أنه لا مزيد على ما رآه الصدّيق في زمنه ؛ من أنه عدله الشهادة ( 3 ) الذين شاهدوا ما جرى في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان مستندُ حكمه ما ذكرناه . والذي رآه عمر رأيٌ له ، ونحن لا نلتزم أن نتبع آحاد الصحابة رضي الله عنهم ، إلا ما نراه معتقداً بأوجه المسالك ، ثم قال : وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يجوز تبليغ الحد ثمانين ، فانتظم وجهان إذاً في هذا الطرف . ولا خلاف أنه لا يجوز أن يتلقى من تردد الصحابة رضي الله عنهم في ذلك جواز المزيد على الثمانين .
--> ( 1 ) تعديل : أي معادلة وتقدير ما حصل من الضرب للشارب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأربعين جلدة ، فكانت هذه المقايسة اجتهاداً . ( 2 ) في الأصل : " فلئن يجوز ويضرب " . ( 3 ) كذا . الشهادة : بمعنى الشهود .