عبد الملك الجويني

329

نهاية المطلب في دراية المذهب

شفاءكم فيما حُرم عليكم " فلم يخص الخمر بمزية ، بل أبان أن كل محرم ، فهو كالخمر المسؤول عنها ، فلا يجوز الهجوم على التداوي بها بناء على غير ثَبَتٍ في جلب نفع ودفع ضرر . 11204 - ووراء ذلك إشكالٌ وانفصالٌ عنه ، وهو التتمة ، ولا يتأتى الغرض إلا بفرض كلام يدركه من شدا شيئاً من صناعة الطب ، وليس يضرنا تبرّم الجاهل به ، فنقول : من حميت منه أجرام القلب وفاتحته ( 1 ) الحمى المحرّقة ، وبدت مخايل المدقوقين ( 2 ) ، فلا خلاف بين أهل الصناعة أن لحوم السرطان ( 3 ) إذا طبخت بماء الشعير ، فهي أنجع علاج ، ثم انفكاك الحمى المحرقة عسرٌ غيرُ موثوق به . فهذا مما حصل فيه العلم بأنه العلاج ، ولا ثقة بالزوال ، بل لا [ بظنٍّ ] ( 4 ) فيه غالب . فهذا موضع النظر ، وهو محلّ التردد ، يجوز أن يقال : لا يسوغ الإقدام عليه ، فإن الانتفاع به غيبٌ ، وهو كردّ السّغب ، وسورة ( 5 ) الجوع بأكل شيء من الميتة ، أو كإساغة غُصة أو تطفئة غُلة بمقدارٍ من الخمر ، وهذا يعتضد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم " . وكذلك امتصاص ألبان الأُتُن من أطبائها ( 6 ) . ويجوز أن يقال : هو مباح ، فإنه لو ترك كان في تركه غَرَر ، ولا يسوغ تعريض الأرواح للخطر ، بسبب الامتناع عن تعاطي النجاسة ؛ وما حرمت النجاسات إلا إكراماً للآدميين حتى يتقذروا ، ويتعففوا ، وهذا الغرض لا يعارض خطر الروح ، ثم لو فرضت مثل هذه الحالة في التداوي بالخمر ، فلستُ أعتقد بينها وبين لحوم السراطين

--> ( 1 ) فاتحته الحمى : أي بادأته وبدأت تظهر عليه . ( 2 ) المدقوقين : أي الذين أصيبوا بحمى الدِّق ، وهي حمى معاودة يومياً ، تصحب - عادة - السلّ الحاد . ( المعجم الوسيط ) . ( 3 ) السرطان : حيوان بحري من القشريات العشريات الأرجل ( المعجم ) . ( 4 ) في الأصل : " نظر " . والمثبت من عمل المحقق . ( 5 ) السغب : الجوع مع تعب ، و ( سورة الجوع ) شدّته وحدّته . ( 6 ) أطبائها : جمع طُبْي : وهو لذات الخف والظلف كالثدي للمرأة ، مثل قفل وأقفال ، ويطلق قليلاً لذات الحافر والسباع . ( المصباح ) .