عبد الملك الجويني

327

نهاية المطلب في دراية المذهب

فلو أشفى ( 1 ) بسبب العطش ، ولم يجد ما يطفئ غُلته إلا الخمرَ ، تعيّن عليه شُربُها ، كما يتعيّن على المضطر أكلُ الميتة . هذا قول الأصحاب أجمعين . ثم تعرضوا للتداوي بالخمر وأجرَوْا ترتيبَ المذهب على أن التداوي بالأعيان النجسة سائغ كالترياق ، وفيه لحوم الحيات وما في معناها من المعاجين التي تشوبها الأعيان النجسة ، ورأَوْا الخمرَ مستثناة من الأعيان لتخصيص الشرع إياها ، ثم [ من آثار التغليظ فيها ] ( 2 ) الحدُّ ، واسترْوَحوا في ذلك إلى ما روي : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن التداوي بالخمر ، فنهى عنه . وقال : " إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " ( 3 ) . ثم بلغنا عن آحادٍ من الأئمة المتأخرين التشبيب ( 4 ) بجواز المعالجة ( 5 ) بالخمر من غير تدوين ذلك في تصنيف ، وإنما ترامزوا به ترامز المتكاتمين . فهذا مسلك النقل . 11203 - ومسلك التحقيق فيه : أن التداوي بالأعيان النجسة عندنا بمثابة تعاطي الميتة بسبب الضرورة ، والحد الذي يجوز أكل الميتة له سيأتي في كتاب الأطعمة ، إن شاء الله . والقدر الذي نذكره هاهنا أنا نشترط العلم بأن تعاطيه يدرأ الضرورة ، ثم في حد

--> ( 1 ) أشفى : أي قارب الهلاك . ( 2 ) عبارة الأصل : " ثم أثار من التغليظ منها الحد " . ( 3 ) حديث : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم " أخرجه ابن حبان ، وأبو يعلى والطبراني في الكبير ، والبيهقي في الكبرى ، كلهم من حديث أم سلمة رضي الله عنها . وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً عن ابن مسعود ، قال الحافظ : وقد أوردته في تغليق التعليق إليه من طرق صحيحة . وللحديث شاهد عند مسلم من حديث وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها وكره أن يصنعها للدواء فقال : " إنه ليس بدواء ولكنه داء " . ( ر . صحيح ابن حبان : 2 / 335 ح 1388 ، مسند أبي يعلى : ح 6966 ، الطبراني في الكبير 23 / 356 ، البيهقي : 10 / 5 ، البخاري : الأشربة ، باب شراب الحلواء والعسل ، مسلم : الأشربة ، باب تحريم التداوي بالخمر ، ح 1984 ، التلخيص : 4 / 140 ح 2112 ) . ( 4 ) في الأصل : " التسبيب " ، والمثبت من المحقق على ضوء المعهود من ألفاظ إمام الحرمين . ( 5 ) في الأصل : " المعاجلة " .