عبد الملك الجويني
317
نهاية المطلب في دراية المذهب
حقوقاً للآدمي مثل : أن يجتمع على رجل حد قذف ، وقطعُ يدٍ لإنسان قصاصاً ، وقتلٌ في النفس على سبيل القصاص . قال الأئمة : إذا ازدحم الطالبون ، فالبداية بحد القذف ، ثم إذا جلدناه ، نتركه حتى يندمل ، ثم نقطع ، [ ولا ] ( 1 ) يتركُ حتى يندمل ، بل يقتل في الحال ، إذا طلب المستحِق ؛ لأن المقصود إهلاك ( 2 ) الجملة ، ولم يبق غيره ، وإنما لم نقطعه على أثر حدّ القذف ، لأنا لو فعلنا ذلك ، لأوشك أن يموت بالجلد والقطع ، ويفوت حق القصاص في النفس . هكذا ذكره الأصحاب . 11193 - وفي هذا بحثٌ وفضل نظر ؛ من جهة أن الحدّ ، والقطعَ ، والقتلَ قصاصاً لو ثبت لثلاثة نفر ، فإذا أقيم الحد ، فإن كان تأخير القطع بسبب إبقائه ، فهو مستحَق الدم ، فلا معنى لتقرير الضنّة بدمه ، وإن كان السبب في الإمهال وانتظار الاندمال ألا يسقط القصاص في النفس ولا يفوت . [ فإذا ] ( 3 ) اجتمع مستحق الجلد والقتل والقطع ، ورضي الكافة بإقامة الحقوق وِلاءً ، وقال صاحب النفس : إن كنتم تتركونه بعد الجلد لحقي ، فقد رضيت ، فعجلوا القطع ، فهذا محل النظر : يجوز أن يقال : إذا وقع الرضا ، ابتدرنا الجلد والقطع بعده ، ثم القتل . ويجوز أن يقال : لا بد من المَهَل بين الجلد والقطع ؛ لأن مستحق الدم قد يبدو له ألا يقتل ، وقد رُتب تقدّم الجلد والقطع على حقه . ولو أتبعنا الجلدَ القطعَ ، فليس ما يفرض من موتٍ بسبب توالي العقوبتين واقعاً عن القصاص المستحق في النفس ، فهذا يُفضي إلى موتٍ غيرِ معتد به ، ولا سبيل إلى إهدار الروح . وهذا الوجه أظهر وأفقه .
--> ( 1 ) في الأصل : فلا . ( 2 ) ت 4 : هلاك . ( 3 ) في الأصل : وإذا .