عبد الملك الجويني

307

نهاية المطلب في دراية المذهب

وتكثروا [ وهيبوا ] ( 1 ) وخوَّفوا ، فالإمام إذا ظفر بهم بالغ في تعزيرهم على ما سيأتي مراتب التعزير ، بعد هذا ، في باب ، إن شاء الله . هذا هو المسلك المرضي . ومن أصحابنا من قال : النفي من جملة العقوبات الملتحقة بالحدود ، وليس المراد به الطلب إذاً ، ولكن التجمع والتكثر والتهيب وتخويف الرفاق ( 2 ) يوجب النفي بعد القدرة والظفر ، ثم إذا نفاهم الإمام في صوبٍ عينه لهم ، حجر عليهم أن يحيدوا عنه ، ولم يتركهم ينطلقوا حيث شاؤوا ، والأولى أن يُسيِّبهم ( 3 ) في جهة يحتف بهم فيها أهل النجدة والبأس ؛ حتى لا يتأتى منهم الترصد للناس ، والعود إلى ما كانوا عليه ، ثم اختلف الأصحاب ، فقال قائلون ينفَوْن إلى بلدة ، ثم يعزرون فيها ضماً إلى النفي ، إما بالضرب ، وإما بالحبس ، وقال آخرون : للإمام أن يقتصر على النفي إذا رأى ذلك . ثم قال هؤلاء : إذا رأى النفي أو الحبس ، لم يبلغ مدة الحبس والنفي سنة ، فإن التغريب سنة من حد الزنا ، وهؤلاء ما اقترفوا موجِب حد . وكل ذلك عندي خبط وتخليط ؛ فإنهم لم يرتكبوا ما يستوجبون به حدّاً ، فإن كان هذا التفي تعزيراً ، فينبغي أن لا يجب ، فإن ما يتعلق بحقوق الله تعالى من التعزيرات لا يُقضى بتحتمه ، كما سيأتي ذلك ، إن شاء الله ، ثم إن كان تعزيراً غيرَ متحتم ، فيبعد أن يختص بالنفي حتى ( 4 ) لا يجد الإمام منه بداً إن أراد التعزير ؛ فإن أصله إلى رأيه ونظره ، فإذا تخير في أصله ، وجب أن يكون جنسه [ وصنفه ] ( 5 ) إلى رأيه ، وإن صار صائرون إلى أن هذا النفيَ تعزير واجب ليس للإمام تركه ، فهو مخالف لقاعدة المذهب

--> ( 1 ) في النسختين : " وتبينوا " . والمثبت من البسيط للغزالي . ( 2 ) الرفاق : جمع رفقة : والمعنى : وتخويف القوافل . ( 3 ) كذا في النسختين . والمعنى أن يتركهم في جهة بحيث يكونون تحت أعين رجال النجدة وفي قبضتهم ، فهم يحيطون ولا يغفلون عنهم . وليس المعنى أن يسيِّبهم يذهبون حيث شاءوا ، كما هو المعنى الحرفي لكلمة ( يسيبهم ) بل المعنى : ألا يحبسهم ، فهم مطلقون ، ولكن يحتف بهم أهل النجدة . ( 4 ) سقطت من ( ت 4 ) . ( 5 ) في الأصل : " وصنعة " .