عبد الملك الجويني

267

نهاية المطلب في دراية المذهب

والقصاص ، فإذا صار سببهما من الذمي والمعاهد ، وجبا عليهما وفاقاً . فأما العقوبات التي هي حدود الله تعالى ، فهي أقسام : منها حد الشرب ، وقد قال المحققون : لا يجب على الذمي حد الشرب ، لأنه يعتقد حِل الخمر ، وقد ذكرنا خلافاً بعيداً في ذلك . وقد ذكرنا نصَّ الشافعي على أن الحنفي إذا شرب النبيذ حُدّ ، وذكرنا تخريجاً في هذا ، والذي نزيده أن من أصحابنا من قال : إنما أحد الحنفيّ إذا شرب وسكر ؛ فإن ما يُعقب السكرَ حرام وفاقاً ، فيعود الخلاف إلى نفي الحد ووجوبه ، والخلاف في الحد لا يمنع الإمام من الجريان على موجَب عقده في استيفاء الحد ، وهذا فيه تأمّل ؛ فإنا إن لم نجر على نص الشافعي أن الحنفي يحد إذا شرب وإن لم يُسكر ، فالحكم بتحريم المقدار المسكر على رأي أبي حنيفة عسر ، وللاحتمال على الجملة مجال ، والمعتمد النص . هذا قولنا في حد الشرب . 11134 - فأما قطع السرقة ، فإنه يجب على الذمي ، فإن سرق من مال المسلم ، قطعه الإمام ، ولا يتوقف الأمر على رضاه بحكمنا ؛ فإن الذمي مزجور عن التعرض لمال المسلم بالحد ، فلو توقف الحد على رضاه ، لبطل هذا المعنى ، وإذا سرق الذمي من الذمي ، فذاك مما يتوقف إقامة الحد فيه على ترافعهما ، ثم يجري القولان في أنا هل نحكم على الممتنع إذا ارتفع إلينا الخصم المطالِب في المال ؟ ( 1 ) . وكذلك لو زنى الذمي بمسلمة ، فالوجه عندنا القطعُ بإقامة الحد عليه ؛ لما حققناه في السرقة ، فأما إذا زنى بكافرة ، فيقع ذلك في تفصيل حكمنا عليهم قهراً واختياراً . ثم كما يجب على الذمي القطع بسرقة مال المسلم يجب على المسلم القطع بسرقة

--> ( 1 ) كذا . والمعنى على أية حال : إذا ارتفع إلينا الخصم المطالب في السرقة . وقد نقل الرافعي هذه العبارة عن الإمام قائلاً : " وأشار الإمام إلى القطع فيما إذا سرق مال مسلم ، بأنه يقطع ، ولا يتوقف الأمر على رضاه ، وذكر أنه إذا سرق مال ذمي ، فإنما يقطع إذا ترافعوا إلينا ، ويجري القولان في إجبار الممتنع إذا جاءنا الخصم " ( ر . الشرح الكبير : 11 / 225 ) .