عبد الملك الجويني
130
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإن القاضي لا ينتصب بنصب الرعايا ، وإنما إلى الناس نصب إمام ، ثم تصدر ( 1 ) التفاصيل عن رأيه ، فانعقاد الإمامة بطريق التبعية ، ولا يتصور [ تولية ] ( 2 ) قاضٍ ببيعة ، وهذا [ القائل ] ( 3 ) يلتزم أمراً تثور فيه نفوس الخائضين في الإمامة ، وهو أن يدعي أن معاوية كان تصدّى للإمامة في زمن علي رضي الله عنه . وقد استفاض أنه ما باح بالتصدي لإمرة المؤمنين إلا بعد قتل علي رضي الله عنه . ومن قال : لا يشترط أن ينصبوا إماماً ، احتج بأنهم ربما لا يَلْقَوْن بين أظهرهم من يستجمع شرائط الإمامة ، فيؤدي اشتراط نصب الإمام إلى تعطيل حقوق المسلمين ، ثم هذا القائل يحمل جميع أحكامهم وقضاياهم على ما تحال عليه الأحكام عند شغور الدهر عن الإمام ، وفيه كلام طويل ، فيجب الانكفاف عنه ، والاكتفاء بهذا المقدار . هذا قولنا في طوائف البغاة ، والمقصود بعدُ منهم لا يتبين إلا بأن نذكر مجامع أحكام البغاة ، ثم يتبيّن مجاري تلك الأحكام عند اختلال الشرائط المرعية في البغاة ، ثم نذكر بعد ذلك تفصيلَ الكلام فيمن يقاتلهم الإمام ، ثم نبين الأسباب المثبتة للقتال . 10995 - فأما جوامع القول في أحكام البغاة ، فمنها أنه ينفذ قضاء قاضيهم إذا وافق الشرع ، وإذا استوفَوْا حدوداً وأقاموها على مستحقيها بحقها ، وقع الاعتداد بها ، وإذا استوفَوْا الزكوات ، وقعت موقعها ، وكذلك إذا استوفَوْا الجِزَى ( 4 ) والأَخْرجة ، فالحكم ما ذكرناه ، وكذلك استيفاء أخماس الغنائم ، والفيء . أما الحدود ، فلا تثنّى بعد إقامتها ، والزكوات مصروفة إلى مستحقيها ، فلا كلام فيها ، والأموال المرْصدة للمصالح إذا صرفت إلى وجوهها بحقها ، فهي واقعة موقعها ، وأما المغانم والزكوات ، فأربعة الأخماس منها للغانمين ، لا تعلّق لها بالولاة ، والخمس منها ، ومن الفيء ينقسم القول في مصارفها ، فما يصرف إلى مستحقين موصوفين في كتاب الله تعالى ، فسبيله سبيل الزكوات ، وأما ما يصرف إلى
--> ( 1 ) في الأصل : " ثم نصدر إلى التفاصيل " . ( 2 ) في الأصل : " برأيه " . ( 3 ) زيادة من ( ت 4 ) . ( 4 ) الجِزى : جمع جزية .