عبد الملك الجويني

118

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإذا صارا محجوبين ، فإذا أعادا تلك الشهادة - وقد رددناها أولاً - فنردها معادة ، كما لو شهد رجل ، فردت شهادته للفسق ، ثم تاب ، وظهرت عدالته ، فأعاد الشهادة فالشهادة المعادة مردودة . وقد يخطر للفقيه في هذا المقام أن الفاسق إذا تاب ، لم نتحقق تغير حاله باطناً ، وقد تحققنا أن الوارث صار محجوباً . ولكن لا حكم لهذا والأصحابُ مجمعون على ما قدمناه ؛ لأن الذي رُدّت شهادته يُتهم بترويج الشهادة بعد طريان الحجب . هذا بيان الغرض في ذلك . ومن تمامه أنه لو شهد وارثان على جرح بالموروث ، فبرئ المجروح [ واستبلّ ] ( 1 ) ، فهل يثبت الجرح ؟ ما صار إليه معظم الأصحاب أن الجرح لا يثبت لاقتران التهمة بالشهادة حالة الإقامة . ومن أصحابنا من قال : لا ترد الشهادة ؛ فإنها لم تكن شهادة على سبب الموت ، وهذا التردد يشهد ( 2 ) بما حكيناه في طريان الحجب واعتبار المآل ، ولكنه يؤدي إلى إلزامه ، فإن القياس الحق [ أن ] ( 3 ) من كان متهماً في شهادته عند إقامتها ، فلا أثر لما يطرى من بعدُ . هذا مقدار غرضنا في الشهادة التي تجرّ نفعاً . 10985 - فأما الشهادة التي تتضمن دفعاً ، فمسائلها كثيرة ستأتي في مواضعها ، إن شاء الله تعالى . والمقدارُ الذي أراده الشافعي هاهنا ما نصفه ، قال رضي الله عنه ( 4 ) : " إذا ادعى رجل قتلَ خطأ ، وأقام شاهدين على ما يدعيه ، فلو شهد اثنان من عاقلة المشهود عليه بالقتل على جرح الشاهدين ، فلا شك أن شهادتهما مردودة ، فإنهما يدفعان عن أنفسهما تحمّل العقل ، والشهادة الدافعة مردودة " ولو شهد اثنان من فقراء عاقلة المشهود عليه ، فقد نص الشافعي رضي الله عنه على أنه لا تقبل شهادتهما ، وإن كانت الدية لا تضرب على الفقراء ، ونص على أن اثنين من أباعد العصبات الذين

--> ( 1 ) في الأصل : " واستقلّ " . ( 2 ) ت 4 : " أشهر مما " . ( 3 ) زيادة من ( ت 4 ) . ( 4 ) ر . الأم : 6 / 15 .