عبد الملك الجويني
106
نهاية المطلب في دراية المذهب
في ابتدار الشهادة قبل الدعوى مع إعادتها بعد الدعوى ، وهؤلاء يقولون : لا تقبل منه تلك الشهادة أبداً ، فلا ينفع قبول ( 1 ) توبته ، ولا استبراؤه ، وهذا تباين عظيم بين المسلكين . فإن قيل : هذا الذي ذكرتموه ظاهر ، و [ قد قلتم ] ( 2 ) الأظهر قبول الشهادة المعادة من غير توبة ولا استبراء ؟ قلنا : الفرق ظاهر بين ما نحن فيه وبين الفاسق ترد شهادته ، وذلك أن الفاسق إذا ردت شهادته يلحقه غضاضة تبلغ [ به ] ( 3 ) الأنفة ، فقد يتهم في إعادة تلك الشهادة ( 4 ) ، وسيأتي تقرير هذا في موضعه ، إن شاء الله . وأما من ردَّت شهادته المقامة قبل الدعوى ، فلا غضاضة عليه ، بل يقال له : ابتدرت الشهادة وأنت من أهلها ، فاصبر حتى يدخل وقت إقامة الشهادة ، فإذا دخل بصدور الدعوى من المدعي ، فأقمها ، وليس هذا كما لو ردت شهادة الفاسق لاتصافه [ بنقيصة ] ( 5 ) الفسق ، والفسق مما يكتم ولا يتظاهر به ، وإذا نسب الشخص إليه حرص [ على ] ( 6 ) إظهار نقيضه . ومما يتعلق بذلك أن صاحب الحق إذا تولى الدعوى بنفسه بعد تقدم شهادة الأولَيْن على الآخَرَيْن ، وشهادة والآخرين على الأولَيْن وقلنا : تقبل [ شهادة الحسبة ] ( 7 ) قبل الدعوى والاستشهاد ، فإن صدّق الأولَيْن ، ثبت الحق على والآخرَيْن ، من غير حاجة إلى استعادة الشهادة ، وإن صدق والآخرَيْن ، تفرع ذلك على ما قدمناه من أن شهادتهما هل تقبل مع اشتمالها على الدفع ، وتعرضهما للعداوة ؟ فإن قبلناها ، ثبت الحق على
--> ( 1 ) ت 4 : " فلا ينفع فيه توبة ولا استبراء " . ( 2 ) زيادة من ( ت 4 ) . ( 3 ) في الأصل : " بها " . ( 4 ) المعنى أنه إذا ردّت شهادته فتلحقه غضاضة بانكشاف فسقه ، فإذا تاب ، وقبلنا شهادته ، فإذا أعاد تلك الشهادة المردودة ، فهو في موضع التهمة لإزالة الغضاضة التي لحقته بسبب تلك الشهادة . ( 5 ) في الأصل : " بنقيض " . ( 6 ) في النسختين : " في " . ( 7 ) في الأصل : " الشهادة حيث " .