عبد الملك الجويني
92
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهذا يُشعر بقلة الدراية بمذهب العرب في باب الترخيم ؛ فإنهم إنما يرخمون الألقاب التي تجري أعلاماً ، فأما الأسماء التي تجري صفاتٍ مشتقةً كالقاتل والزاني ، فلا يتطرق إليها ترخيم إلا في ضرورة الشعر إذا دُفع الشاعر إلى مضائق التَّقْفِية والأوزان ( 1 ) . ومما أجراه بعض الفقهاء أن [ لفظ ] ( 2 ) ( الزانية ) في مخاطبة الرجل محمولة على مذهب المبالغة ، كالعلاَّمة والنسّابة ، وفلان راوية الشافعي . وهذا [ أمثل ] ( 3 ) قليلاً من الترخيم ، ولكنه باطلٌ أيضاً ، فإنه وإن جرى ، فلم يتمهد قياساً مطرداً ، فلا يقال لمن كثر القتل منه : فلان ( قاتلة ) ولسان العرب ينقسم إلى ما لا قياس فيه أصلاً ، وإنما المتبع فيه السماع المحض ، وإلى ما يطرد فيه القياس ، وإلى ما يجري فيه قياسٌ مقرون بالسماع . ولا حاجة إلى التعلق بأمثال هذا ، ومعتمد المذهب أن النسبة إلى الزنا تحققت ، ولا تعويلَ بعد ذلك على لحنٍ في الكلام ، وعلى تحريف عن السداد ، أو لحنٍ بعد تأدية المعنى ( 4 ) ، ولا خلاف أن الرجل لو قال للمرأة : زنيتَ بنصب التاء ، أو قالت المرأة للرجل زنيتِ بكسر التاء الضمير ، فاللفظان قذفان ، وإن جريا على ما لا يقتضيه التذكير والتأنيث . وقال القفال الإشارة أغلب من العبارة ، فإذا أشارت إلى الرجل وقالت : يا زانية ، فليقع التعلق بالإشارة .
--> ( 1 ) العجب أن يقول إمام الحرمين هذا ، ونصُّ الشافعي في المختصر : " ولو قال لها ( يا زان ) ، كان قاذفاً ، وهذا ترخيمٌ ، كما يقال لمالك : ( يا مال ) ولحارث ( يا حار ) " . والمعروف أن الشافعي تؤخذ منه اللغة ، فهو ممن يحتج بقوله ، شهد له بذلك أئمة اللغة ، وقد صحح عليه الأصمعي ديوان الهذليين ( اقرأ مقدمة العلامة أحمد شاكر لتحقيق الرسالة ) . هذا إذا لم يكن في العبارة تصرفٌ من المزني . والله أعلم . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) في الأصل : أشدّ . والمثبت من صفوة المذهب . ( 4 ) يظهر اللحن بعد تأدية المعنى في مخاطبة الرجل بقول : ( يا زانية ) فهذه اللفظة تتضمن الوصف الصحيح ( زاني ) وتزيد بعده الثاء . فاللحن هنا بعد تأدية المعنى .