عبد الملك الجويني

546

نهاية المطلب في دراية المذهب

يضم الجارية إلى الأم على سن التمييز ، والغلام إلى الأب ، ونحن لا نفصل بينهما . واعتمد الشافعي الخبر والأثر ، فروَى في صدر الباب بإسناده عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر غلاماً بين أبيه وأمه " ( 1 ) وروى عن عمر رضي الله عنه " أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه " ( 2 ) ونحن إذا أطلقنا القول بتقديم الأم في الحضانة ، أو تقديم غيرها من الإناث ، أردنا بذلك القيام بالحضانة قبل بلوغ الصبي سنَّ التمييز ، وليس هذا مما يتطرق إليه القياس ؛ فإن عبارة الصبيّ مستلبة ، وإنما يظهر في مسلك المعنى اعتمادُ عبارته فيما يتعلق [ بإعرابه عن ] ( 3 ) حاجات نفسه ؛ إذ لا اطلاع عليها إلا من جهته ، فلا رجوع إلا إليه ، فأما الاختيار بين الأبوين ، فليس من هذا الفن ، والقياس يقتضي إدامة حق الحضانة للأم ، ولكن لا مبالاة بطرق القياس المظنون مع صحة الخبر . ثم ليس هذا اختياراً من الصبي لازماً أو ملزماً ، فلو اختار أحد الأبوين ، ثم بدا له واختار الثاني ، رددناه إلى الثاني ، ولو عاد إلى الأول ، لتبعنا اختياره ، وليس هذا كاعتراف خنثى بكونه ذكراً أو أنثى ، فإنه مؤاخذ بموجب اعترافه ، لا يقبل رجوعه عنه . وإذا تعذرت القيافة والإلحاق بها ، فانتسب الولد إلى أحد المدعيَيْن ، فذلك لازم ، لا سبيل إلى الرجوع عنه . قال الأصحاب لو تردد الصبيّ المخيَّر بين الأبوين تردداً كثيراً دالاً على خبلٍ به فنتبين أنه ليس مميزاً .

--> ( 1 ) حديث أبي هريرة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبيه وأمه " . رواه الشافعي في الأم : 5 / 82 ، وأحمد ( 2 / 246 ) وأبو داود : الطلاق ، باب من أحق بالولد ح 2277 ، والترمذي : الأحكام ، باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا ، ح 1357 وقال : حسن صحيح ، وابن ماجة : الأحكام ، باب تخيير الصبي بين أبويه ح 2351 . وانظر التلخيص 2 / 23 ، 24 حديث رقم 1859 . ( 2 ) حديث أن عمر خير غلاماً بين أبيه وأمه . رواه البيهقي في الكبرى : 4 / 18 . وانظر التلخيص 2 / 24 . ( 3 ) في الأصل كلمة غير مقروءة ( انظر صورتها ) .