عبد الملك الجويني

515

نهاية المطلب في دراية المذهب

لا يليق بما أوجبه الله تعالى من احترام الآباء والإحسانِ إليهم ، ولا يبعد عن الأب إحالة ابنه على الكسب ، كما لا يبعد منه استخدامُه . ومن أصحابنا من أجرى القولين في جانب الأب المعسر ، كما ذكرناه في الابن المعسر ، وهذا وإن أمكن توجيه القياس فيه ، فالمذهب المعتدُّ به القطعُ بأن ذلك ليس شرطاً في الأب . وقد يتصل بهذا الفصل النظر في تفاصيل الكسب ؛ فإن الرجل ذا المروءة لو تكلف نقل القاذورات وشَيْل الكناسات ، فقد يجتمع له ما يقوته ، ولكن ذلك [ يحطّ ] ( 1 ) من مروءته [ فكيف ] ( 2 ) الطريق فيه ؟ هذا عندنا يخرج على اشتراط الزمانة : فمَن شَرَطَها ، فموجب مذهبه أن لا فرق بين كسب وكسب ، إذا فُرض الاقتدارُ عليه ، ومن لم يشترط الزمانة ، فالرأي على التردد في رعاية ما أشرنا إليه من اعتبار المروءة والنظر إلى أقدار المناصب . ولا خلاف أن عبد الرجل مبيعٌ في نفقته ، وإن كان ذلك يلجئه إلى التبذل والتبسط بنفسه في الحاجات الدنيّة كاستقاء الماء وما يشبهه . وقد تنجز أصلٌ من أصول القول في ذلك . 10186 - ونحن نأخذ من هذا المنتهى في أصلٍ آخر ، ونقول : لا خلاف أن نفقة القريب مبناها على الكفاية ، وليست متقدَّرة ، بخلاف نفقة الزوجية ، فإن اكتفى في يومٍ ولم يحتج لعارضٍ ، فلا نفقة له ، وإن كان رغيباً ، لزمت كفايته ، وإن كان زهيداً ، فعلى قدر حاجته . ولا يضرّ أن نصرف الاهتمامَ إلى بيان الكفاية ، فنقول : لا ينتهي الإنفاق إلى رد النهم والقَرَم ( 3 ) وحَسْم الشهوة ، ولكن الكفاية المطلقة ما [ يقي ] ( 4 ) البدنَ ويدرأ عنه الضرار في الحال والمآل .

--> ( 1 ) في الأصل : يحطه . ( 2 ) في الأصل : أم كيف . ( 3 ) القَرَم : شدةُ الشهوة إلى أكل اللحم . ( 4 ) في الأصل : " يقلّ " . والمثبت من تقدير المحقق .